اشتراط الذكورة في القاضي
الشيخ نزار آل سنبل القطيفي (دام عزّه)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبيّنا محمّد (ص)، وصلّى الله على أهل بيته الطيّبين الطاهرين، واللّعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
اشتراط الذكورة في القاضي
هل يشترط في القاضي أن يكون رجلاً، فلا يجوز تولّي المرأة للقضاء، أو لا؟
في المسألة وجهان:
الوجه الأوّل: عدم الاشتراط، وما يمكن أن يستدلّ به عليه أمران:
الأمر الأوّل: إطلاق كلٍّ من التوقيع المرويّ عن الناحية المقدّسة، ومقبولة عمر ابن حنظلة؛ حيث جاء في التوقيع: (وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا..) (١)، وجاء في المقبولة: (.. قال: ينظران مَنْ كان منكم ممّن روى حديثنا)(٢). والـ(رواة) شامل للمرأة والرجل، كما أنّ (مَنْ) كلمة تعمّهما.
وسيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ في الدليل الرابع من أدلّة الاشتراط ما يمنع من الإطلاق، مضافاً إلى المناقشة السنديّة في التوقيع.
الأمر الآخر: سيرة العقلاء، فإنّها قائمة على عدم الفرق في الرجوع لأهل الخبرة ـ ومن بينها الخبير في رفع الخصومات وحلّ المنازعات ـ بين الرجل والمرأة.
ولا يخفى توقّف حجّية السيرة على إمضاء الشارع لها ولو من طريق عدم الردع مع إمكانه، وسيأتي في الدليل الرابع ما يحصل به الردع عن ذلك، أو ما يوجب عدم تحقّق إحراز الإمضاء فلا حجّية فيها.
الوجه الآخر: القول بالاشتراط، وهو قول عامّة أهل الحقّ.
وقد أقيمت عليه عدّة أدلّة، وهي:
الدليل الأوَّل: الإجماع.
وننقل بعض كلمات القوم في ذلك:
قال في المسالك عند التعليق على جملة (ويشترط فيه البلوغ و.. والذكورة): (هذه الشرائط عندنا موضع وفاق)(٣).
وقال عند التعليق على (ولا ينعقد القضاء للمرأة..): (وهو موضع وفاق، وخالف فيه بعض العامّة وجوّز قضاءها في ما يقبل شهادتها فيه)(٤).
وقال في مفتاح الكرامة عند التعليق على الشروط السبعة التي من ضمنها الذكورة: (هذه الشروط السبعة معتبرة إجماعاً معلوماً ومنقولاً حتّى في المسالك والكفاية والمفاتيح)(٥).
وقال في الجواهر عند التعليق على الشروط: (بلا خلاف أجده في شيءٍ منها، بل في المسالك: (هذه الشرائط عندنا موضع وفاق)، بل حكاه في الرياض عن غيرها أيضاً، وعن الأردبيلي دعواه فيما عدا الثالث والسادس ـ الإيمان والعلم ـ، والغنية في العلم والعدالة، ونهج الحقّ في العلم والذكورة)(٦).
وقال الشيخ الأنصاري: (فالمرأة لا تولّى القضاء، كما في النبوي المطابق للأصل المنجبر بعدم الخلاف في المسألة)(٧).
ويرد على هذا الدليل أنّه إجماع مدركيّ لا تعبّديّ؛ لاستناد المجمعين وناقلي الإجماع إلى الوجوه الآتية أو إلى بعضها، وقد قرّر في محلّه عدم حجّية مثله.
الدليل الثاني: الروايات.
وهي على طوائف:
الطائفة الأولى: ما روي عن النبي e: (لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة)(٨)، أو (لا يفلح قوم وليتهم امرأة)(٩).
وهو مناقش سنداً ودلالة:
أمّا من ناحية السند فالرواية عامّية لم ترد من طرقنا.
وجبرها بعمل القوم بها ـ إن شمل مثلها ـ فهو مبنيٌّ كبروياً على الخلاف في مسألة جبر ضعف السند بعمل المشهور.
مضافاً إلى عدم انحصار الدليل بها حتّى نحرز الاستناد إليها في مقام العمل، وقاعدة الجبر فرع إحراز الاستناد في العمل.
وأمّا الدلالة فأوّلاً: إنّ التولية المذكورة ظاهرة في الرئاسة والقيادة وتولّي شؤون أمر القوم، أي لا يفلح قوم جعلوا رئيسهم وولي أمرهم امرأة، ويشير إلى هذا المعنى سبب قول النبي e للجملة الأولى كما ورد في روايات القوم؛ إذ ورد في البخاري وغيره: (.. عن الحسن، عن أبي بكرة، قال: لقد نفعني الله بكلمة أيّام الجمل لمّا بلغ النبيّ e أنّ فارساً ملّكوا ابنة كسرى، قال: لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة)(١٠)، وصريح لفظ أحمد في مسنده بالنسبة إلى العبارة الثانية؛ حيث قال: (تملكهم امرأة).
وثانياً: بعد فرض تسليم شموله للقضاء فهو لا يدلّ على عدم الجواز؛ لأنّ التعبير بـ(لا يفلح) لا ينافي الجواز، فربّما يكون ناظراً إلى الأمر الوضعيّ، وأنّ مآل أمر من تلي شؤونهم امرأة إلى بوار.
الطائفة الثانية: وهي روايتان:
١. ما في البحار عن (الخصال): القطّان، عن السكّري، عن الجوهري، عن جعفر بن محمّد بن عمارة، عن أبيه، عن جابر الجعفي، قال: سمعت أبا جعفر g يقول: (ليس على النساء أذان، ولا إقامة، ولا جمعة، ولا جماعة ـ إلى أن قال: ـ ولا تولّى المرأة القضاء...)(١١).
٢ـ محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده عن حمّاد بن عمرو، وأنس بن محمّد، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد، عن آبائه في وصية النبي e لعليّ g، قال: (يا عليّ ليس على المرأة جمعة ـ إلى أن قال: ـ ولا تولّى القضاء)(١٢).
وكلتا الروايتين ضعيفتان من ناحية السند، فلا تصلحان للاستدلال بهما.
نعم، ربّما تعتبران مؤيّدتين لما يتمّ من الدليل.
وقد أورد السيّد الخوانساري S على الدلالة بأنّ التعبير بـ(ليس على النساء) لا ينافي الجواز، ألا ترى أنّ المرأة تصلّي جماعة مع النساء؟(١٣).
ويمكن أن يجاب عنه: بأنّ التعبير المذكور إنّما كان بالنسبة إلى الصلاة جمعة وجماعة والأذان.. وأمّا بالنسبة إلى القضاء فالتعبير هو: (ولا تولّى القضاء)، وهو غير التعبير الأوّل كما هو واضح.
نعم، يمكن أن يقال: بأنّها وردت في سياق أمور غير محرّمة عليها، كحضورها صلاة الجمعة والجماعة وغيرهما ممّا يُشكّل قرينة على عدم إرادة نفي الجواز.
إلّا أنّ ذلك مردود:
أوّلاً: بأنّ السياق ليس قرينة على معرفة المراد كما أُفيد في محلّه، وهو محلّ تأمّل.
وثانياً: ينبغي ملاحظة الرواية جملة جملة، فندرس كلَّاً منها على حدة، وعليه فنلاحظ اختلاف التعبير كما أشرنا إليه سابقاً، فإنّ الأمور غير المحرّمة عبّرت عنها الرواية بـ(ليس على المرأة)، وأمّا في القضاء فقالت: (ولا تولّى المرأة القضاء)، ومع هذا الاختلاف في التعبير لا يمكن أن يكون السياق قرينة على أنّ المراد من العبارة الثانية هو ما يراد من العبارة الأولى.
الطائفة الثالثة: ما روي عن الرسول e: (أخّروهنّ من حيث أخّرهنّ الله)(١٤).
ووجه الاستدلال ـ كما جاء في كتاب الخلاف للشيخ S المسألة السادسة من باب القضاء ـ: (أنّ من أجاز للمرأة أن تلي القضاء فقد قدّمها وأخّر الرجل عنها)(١٥).
وهي ـ مضافاً إلى كونها رواية نبويّة مرسلة لا يمكن قبولها سنداً ـ غير صالحة للاستدلال؛ فإنّا قبل أن نعرف من دليل آخر عدم جواز تولّي المرأة للقضاء لا يمكن لنا أن نتمسّك بهذه الرواية؛ لأنّا لا نعلم أنّ هذا المورد من الموارد التي أخّرها الله فيه أو لا، فالتمسّك بها تمسّك بالدليل في الشبهة الموضوعيّة.
الطائفة الرابعة: ما رواه الشيخ المفيد في الاختصاص (عن ابن عباس في حديث طويل فيه مسائل عبد الله بن سلام، عن رسول الله e ـ إلى أن قال: ـ فأخبرني عن آدم خلق من حواء أو حواء خلقت من آدم؟ قال: بل خلقت حواء من آدم، ولو أنّ آدم خلق من حواء لكان الطلاق بيد النساء ولم يكن بيد الرجال.
قال: مِن كلّه أو من بعضه؟
قال: بل من بعضه، ولو خلقت حواء من كلّه لجاز القضاء في النساء كما يجوز في الرجال..)(١٦).
والرواية مرسلة غير قابلة للاعتماد، مضافاً إلى عدم ثبوت كتاب الاختصاص إلى الشيخ المفيد S.
الطائفة الخامسة: روايات التنصيب التي لم تذكر كلمة (رجل)، وهي:
١. التوقيع المبارك، والذي فيه: (وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله..)(١٧).
٢. مقبولة عمر بن حنظلة، ومحلّ الشاهد فيها قوله g: (ينظران مَن كان منكم ممّن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً...)(١٨).
ووجه الاستدلال: هو أنّ المنساق من هذه الطائفة غير المرأة.
وبعبارة أخرى: أنّها منصرفة إلى الرجل؛ لما علم من أنّ الشارع يريد الستر للمرأة وعدم خروجها في محافل الرجال وبروزها للأجانب، وتولّيها للقضاء يقتضي عكس ذلك.
والكلام (تارة) في سندهما، و(أخرى) في دلالتهما على المدّعى، فنقول:
أمّا التوقيع فمخدوش من ناحية السند؛ لكون الراوي له مجهولاً وهو إسحاق ابن يعقوب، والقول بجبر ضعف سنده بعمل المشهور مبتنٍ على المختار في صحّة تلك القاعدة، والأقوى عدم قبولها في جبر السند بالعمل وإن كان إعراض المشهور عن الرواية الصحيحة موهناً لها كما هو رأي شيخنا الأستاذ F.
وأمّا المقبولة ففي عمر بن حنظلة بحث طويل الذيل، فيبتني قبول الرواية على المختار فيه كما حقّق في علم الرجال، فالسيّد الخوئي S ـ مثلاً ـ لم تثبت عنده وثاقته فلا يعتمد على روايته(١٩)، وأمّا غيره فقد وثّقه أو اعتمد على روايته؛ لأنّ الأصحاب قد تلقّوها بالقبول.
والأرجح عندي القول بوثاقته؛ للشواهد المتعاضدة، لا سيّما على المبنى المختار في حجّية خبر الواحد من الذهاب إلى حجّية الخبر الأعمّ من الموثوق به ووثاقة راويه، بل يمكن إرجاع الثاني إلى الأوّل؛ فإنّ وثاقة الراوي من أبرز ما يحصل به الوثوق، وتحقيق كلا الأمرين في محلّه.
وأمّا دلالتهما على المطلوب فيتوقّف على صحّة دعوى الانصراف، وإلّا فالروايتان مطلقتان في نفسيهما، ولا خصوصية فيهما للرجل، وسيأتي ما يفيد في ذلك عند الكلام حول الدليل الثالث فنرجئه إلى ما بعد.
الطائفة السادسة: روايات النصب التي صرّحت بلفظ (الرجل)، وهي ثلاث:
١. محمّد بن الحسن بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، قال: (قلت لأبي عبد الله g: ربّما كان بين الرجلين من أصحابنا المنازعة في الشيء فيتراضيان برجل منّا، فقال: ليس هو ذاك، إنّما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط)(٢٠).
٢. محمّد بن الحسن بإسناده عن محمّد بن عليّ بن محبوب، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن أبي الجهم، عن أبي خديجة، قال: (بعثني أبو عبد الله g إلى أصحابنا، فقال: قل لهم: إيّاكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تَدارى في شيء من الأخذ والعطاء أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفسّاق، اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا، فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً، وإيّاكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر)(٢١).
٣. محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال، قال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمّد الصادق g: (إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته قاضياً، فتحاكموا إليه)(٢٢).
وجه الاستدلال: أنّ الرواية أخذت عنوان الرجل في القاضي، وهو لا يشمل المرأة.
وقد جعل السيّد الخوئي S رواية الجمّال شاهداً على الحكم بعدم تولّي المرأة للقضاء، فقال تعليقاً على شرط الذكورة: (بلا خلاف ولا إشكال، وتشهد على ذلك صحيحة الجمّال المتقدّمة...)(٢٣).
وستأتي مناقشة السيّد نفسه في ذلك عند الكلام على دلالتها.
والكلام في هذه الروايات يقع في جهتين: سنداً ودلالة.
الجهة الأولى: جهة السند، فنقول:
أمّا رواية الحلبي فهي صحيحة بلا إشكال، فإنّ طريق الشيخ إلى الحسين بن سعيد صحيح(٢٤)، وباقي رجال السند من الثقات الأجلّاء.
وأمّا الرواية الثانية فسند الشيخ إلى محمّد بن عليّ بن محبوب صحيح في الفهرست دون المشيخة(٢٥)، وابن محبوب ثقة جليل، وأحمد بن محمّد لا يخلو من ثلاثة كلّهم ثقات، وهم أحمد بن محمّد بن أبي نصر، وأحمد بن محمّد البرقي، وأحمد بن محمّد ابن عيسى. والحسين بن سعيد ثقة جليل، وأبو الجهم في هذه الطبقة مجهول الاسم؛ إذ ليس هو ثوير بن أبي فاختة لكونه من أصحاب الإمام السجاد g ولا يمكن أن يروي عمّن يروي عن الإمام الصادق g، بل روى عن أصحاب الإمام الكاظم g، بل قيل: إنّه بقي إلى زمن الإمام الرضا g(٢٦)، ولا توثيق له إلّا على مبنى وثاقة جميع رواة كامل الزيارات، أو على مبنى وثاقة جميع مشايخ ابن أبي عمير كما نذهب إليه بشروط ذكرناها في محلّها. وأبو خديجة محلّ بحث سيأتي التعرّض له في الرواية الآتية إن شاء الله تعالى، فهذه الرواية بهذا الطريق معتبرة عندنا إلى ما قبل أبي خديجة.
وأمّا الرواية الثالثة فطريق الصدوق إلى أحمد بن عائذ صحيح، وهو: أبوه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن علي الوشا. وأحمد بن عائذ ثقة، ويبقى الكلام في أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال، ويكنّى أبا سلمة أيضاً، فقد وقع فيه بحث بين الأعلام، فذهب قوم إلى وثاقته، وضعّفه آخرون، وتوقّفت فيه طائفة ثالثة، وسبب الاختلاف تعارض كلامي الشيخ نفسه من جهة(٢٧)، وتعارضه مع كلام النجاشي من جهة أخرى(٢٨)، فإنّ الموجود بين أيدينا توثيق النجاشي وتضعيف الشيخ، وقد نقل العلّامة عن الشيخ توثيقه أيضاً ولم يصل إلينا(٢٩)، وهناك بعض الوجوه المذكورة لتوثيقه أيضاً.
والقول بالتوقّف أسلم(٣٠)؛ لعدم المرجّح لتوثيق النجاشي على تضعيف الشيخ إلّا بما ذهب إليه السيّد الخوئي S من اشتباه الشيخ في تضعيفه لسالم بن مكرم أبي سلمة بسالم بن أبي سلمة المضعّف من قبل النجاشي أيضاً(٣١)، أو بالذهاب إلى أنّ تضعيف الشيخ له باعتبار أنّه كان من الخطّابية وقد تاب، وفي كلا الوجهين ما لا يخفى، والبحث في ذلك بأوسع ممّا ذكر لا يسعه المجال فليطلب في محلّه، فلم يبق عندنا إلّا صحيحة الحلبيّ.
الجهة الأخرى: في الدلالة، وقد ناقش في دلالتها السيّد الخوئي S بما لفظه: (إنّ أخذ عنوان الرجل في موضوع الحكم بالرجوع إنّما هو من جهة التقابل بأهل الجور وحكّامهم حيث منع g عن التحاكم إليهم، والغالب المتعارف في القضاء هو الرجوليّة، ولا نستعهد قضاوة النساء ولو في مورد واحد، فأخذ عنوان الرجوليّة من باب الغلبة لا من جهة التعبّد وحصر القضاوة بالرجال، فلا دلالة للحسنة على أنّ الرجوليّة معتبرة في باب القضاء...)(٣٢).
وأجاب عنه شيخنا الأستاذ F في مجلس بحثه بما حاصله: أنّ الأصل في كلّ عنوان أخذ في الحكم أن تكون له موضوعيّة فيه ما لم يقم الدليل على عدم دخله.
وبعبارة أخرى: إنّ الأصل في العناوين المأخوذة في الموضوعات الاحتراز ما لم يقم دليل على العدم، فالإمام g عبّر بلفظ (الرجل) وهو في مقام التشريع فالأصل الأوّلي يقضي بدخله في الحكم، وليس هو مثل باب الطهارة والنجاسة المعلوم فيها عدم الفرق بين الأجسام من جهة الانفعال بالنجاسة(٣٣).
ولكن الإنصاف بقاء ما أفاده السيّد الخوئي S على قوّته؛ فإنّا نسلّم القاعدة التي ذكرها الشيخ الأستاذ F من أنّ الأصل في العناوين المأخوذة في موضوعات الأحكام أن تكون بنحو الموضوعيّة، ولكن القرينة الموجودة في الروايات هي التي ألجأتنا إلى رفع اليد عن هذه القاعدة، والقرينة هي أنّ الإمام g في مقام البيان من جهة المقابلة بين حكام الجور وقضاتهم وبين قضاة الشيعة، فلا يجوز الترافع لأولئك وجوازه لهؤلاء، أي ارجعوا لأهل الحقّ في القضاء عند حصول الاختلاف بينكم، ولا ترجعوا لأهل الباطل وقضاة الجور، (إيّاكم إذا وقعت بينكم خصومة... أن تحاكموا إلى هؤلاء الفسّاق، اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا...).
وكذا قوله g: (إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم...).
وكذا ما في صحيحة الحلبيّ: (فيتراضيان برجل منّا، فقال: ليس هو ذاك إنّما هو الذي يجبر الناس...).
ويمكن أن نجعل عدم وجود امرأة قاضياً في ذلك الزمان هو الذي أوجب ذكر الرجل دون المرأة كما أفاده السيّد S.
بل ذكر الرجل هنا كما يذكر في كثير من الأحكام غير المختصّة بالرجل، وليس ذلك من أجل الاختصاص.
فنتيجة البحث إلى هنا: هو عدم نهوض دليل الروايات على المدّعى؛ إذ هي بين الضعيف الدالّ على المطلوب، والصحيح غير الدالّ عليه.
الدليل الثالث: هو أنّ المستفاد من مجموعة من الروايات(٣٤) ـ كالوارد في عدم إمامة المرأة للرجال، وليس عليها جمعة ولا جماعة، والنهي عن مشاورة النساء،... وغير ذلك ـ أمران:
الأمر الأوّل: أنّ مذاق الشارع قائم على جعل الوظيفة المرغوبة له من النساء هي التستّر، والتحجّب، والتصدّي للأمور المنـزليّة، دون التدخّل في ما ينافي تلك الأمور، ولا شكّ أنّ تصدّي المرأة للقضاء وضع لنفسها في معرض الرجوع لرفع الخصومات بين الرجال، ومواجهة الأجانب ورفع صوتها أمامهم وغير ذلك ممّا يقوم به القاضي لفضّ الخصومات، وهو ينافي مذاقه الشريف.
الأمر الآخر: أنّ مذاق الشارع عدم تولّي المرأة للمناصب المهمّة في الشريعة المقدّسة، وأنّ تلك المناصب الخطيرة لا تناسب أنوثتها، فإنّها ليست كالرجل من حيث التصميم والعزم والحزم واتّخاذ القرار الصارم؛ لغلبة العاطفة عليها التي تتناسب مع أمومتها.
وبهذا الوجه يقال بانصراف الطائفة الخامسة إلى الرجل دون المرأة، فلا يتمّ الإطلاق المدّعى فيها، ولا أقلّ من الإجمال من هذه الناحية، فيقتصر على القدر المتيقّن وهو الرجل، ويكون الأمر في الطائفة السادسة أكثر وضوحاً في عدم التعدّي عن الرجل.
وبهذا الوجه أيضاً لا يحرز إمضاء الشارع للسيرة العقلائيّة المدّعاة، بل يقال بردعها من قبله فلا حجّيّة فيها.
وهذا الوجه هو الأولى بالقبول في نفسه، وفي كونه مضرّاً بالإطلاق المدّعى في الطائفة الخامسة.
وأمّا شيخنا الأستاذ F فهو وإن اعتمد على هذا الوجه في عدم إحراز إمضاء الشارع للسيرة(٣٥) إلّا أنّه نحا منحى آخر في القول بانصراف المقبولة لا يخلو من تأمّل، وهو: (..فالصحيح أنّها مطلقة في حدّ نفسها شاملة للرجل والمرأة، ولكن لاحتفافها ببعض الأمور فيها نفسها انصرفت إلى الرجل، لا أنّها منصرفة عن المرأة من الأوّل؛ وذلك لأنّ فيها (عدم الرجوع إلى السلطان)، وفيها (رجلان من أصحابنا)، وفي ذيلها (فإذا حكم بحكمنا فالرادّ عليه..)، فهذه الأمور أوجبت صرفها إلى الرجل، ولا أقلّ من الشكّ في الإطلاق)(٣٦).
والروايات التي وعدنا بذكرها هي:
١. صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله g، قال: (ذكر رسول الله e النساء فقال: اعصوهن في المعروف قبل أن يأمرنكم بالمنكر، وتعوّذوا بالله من شرارهن، وكونوا من خيارهن على حذر)(٣٧).
٢. عن أبي عبد الله g، قال: (قال أمير المؤمنين g في كلام له: اتّقوا شرار النساء، وكونوا من خيارهن على حذر، وإن أمرنكم في المعروف فخالفوهن كي لا يطمعن منكم في المنكر)(٣٨).
٣. عن أبي عبد الله g، قال: (تعوّذوا بالله من طالحات نسائكم، وكونوا من خيارهن على حذر، ولا تطيعوهن في المعروف فيأمرنكم بالمنكر)(٣٩).
٤. عن إسحاق بن عمّار رفعه، قال: (كان رسول الله e إذا أراد الحرب دعا نساءه فاستشارهن ثمّ خالفهن)(٤٠).
٥. عن أبي عبد الله g، قال: (استعيذوا بالله من شرّ نسائكم، وكونوا من خيارهن على حذر، ولا تطيعوهن فيدعونكم الى المنكر)(٤١).
٦. قال: وشكا رجل من أصحاب أمير المؤمنين g نساءه فقام g خطيباً، فقال: (معاشر الناس لا تُطيعوا النساء على حال، ولا تأمنوهنّ على مال، ولا تذروهنّ يُدبّرن أمر العيال، فإنّهنّ إن تُركن وما أردن أوردن المهالك، وعدون أمر المالك، فإنّا وجدناهنّ لا ورع لهنّ عند حاجتهنّ، ولا صبر لهنّ عند شهوتهنّ، التبرّج لهنّ لازم وإن كبرن، والعجب لهنّ لاحق وإن عجزن، رضاهنّ في فروجهنّ، لا يشكرن الكثير إذا منعن القليل، يَنسين الخير، ويَحفظن الشرّ، يتهافتن بالبهتان، ويتمادين في الطغيان، ويتصدّين للشيطان، فداروهنّ على كلّ حال، وأحسنوا لهنّ المقال، لعلّهنّ يُحسنّ الفعال)(٤٢).
أرسله الصدوق في الفقيه(٤٣)، وأسنده في العلل(٤٤).
٧. عن سليمان بن خالد، قال: سمعت أبا عبد الله g يقول: (إيّاكم ومشاورة النساء فإنّ فيهنّ الضعف والوهن والعجز)(٤٥).
٨. صحيحة محمّد بن شريح، قال: سألت أبا عبد الله g عن خروج النساء في العيدين، فقال: (لا، إلّا العجوز..)(٤٦).
٩. صحيحة يونس بن يعقوب: سألت أبا عبد الله g عن خروج النساء في العيدين والجمعة، فقال: (لا، إلّا امرأة مسنّة)(٤٧).
الدليل الرابع: الأصل العملي.
وهو إنّما يفرض بعد عدم نهوض الأدلّة المتقدّمة على أحد الوجهين، وقد أشار إليه صاحب الجواهر بقوله: (لا أقلّ من الشكّ، والأصل عدم الإذن)(٤٨).
وأشار إليه الشيخ الأعظم أيضاً بقوله: (فالمرأة لا تولّى القضاء كما في النبويّ المطابق للأصل..)(٤٩).
ويمكن أن يقرّر بأحد وجهين:
الوجه الأوّل: أنّ نفوذ القضاء نحو من أنحاء الولاية، والأصل عدم نفوذ ولاية أحد على أحد، فيحتاج في إثبات النفوذ إلى دليل، والقدر المتيقّن من الدليل القائم على النفوذ هو نفوذ قضاء الرجل، فيبقى نفوذ قضاء المرأة تحت الأصل.
الوجه الآخر: أنّ منصب القضاء من مناصب النبي e وأهل بيته i فهم أولو الأمر الذين فرض الله طاعتهم على العباد، كما تدلّ على ذلك صحيحة سليمان ابن خالد، عن أبي عبد الله g، قال: (اتّقوا الحكومة فإنّ الحكومة للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لنبيّ أو وصيّ نبيّ)(٥٠).
وفي رواية إسحاق بن عمّار عن أبي عبد الله g: (قال أمير المؤمنين g لشريح: يا شريح، قد جلست مجلساً لا يجلسه إلّا نبيّ أو وصي نبيّ أو شقي)(٥١).
وقد جاء الإذن من قبلهم i لمن اتّصف بصفات معيّنة، فإذا شكّ في اعتبار وصف ما في القاضي فالأصل عدم الإذن لفاقده، ويقتصر فيه على القدر المتيقّن، وهو الرجل دون المرأة، ولعلّ هذا الأصل بهذا النحو هو مرمى صاحب الجواهر حيث عبّر عنه: (والأصل عدم الإذن).
وبهذا ينتهي الكلام حول هذه المسألة، ونتيجة البحث: اشتراط الذكورة في القاضي؛ لمذاق الشارع الموجب لانصراف الإطلاقات عن المرأة، وللأصل العمليّ كما عرفت.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
المصادر
(١) وسائل الشيعة: ١٨/١٠١ الباب ١١ من أبواب صفات القاضي ح ٩.
(٢) وسائل الشيعة: ١٨/٩٨ – ٩٩ الباب ١١ من أبواب صفات القاضي ح ١.
(٣) مسالك الأفهام: ١٣/٣٢٦.
(٤) المصدر السابق.
(٥) مفتاح الكرامة: ١٠/ ٩.
(٦) جواهر الكلام: ٤٠/ ١٢.
(٧) القضاء والشهادات (للشيخ الأنصاري): ٤١.
(٨) سنن الترمذي: ٣/ ٣٦٠.
(٩) الخلاف: ٦/ ٢١٣، وفي مسند أحمد: ٥/ ٤٣: (لا يفلح قوم تملكهم امرأة).
(١٠) البخاري: ٨/ ٩٧، وفي المستدرك للحاكم النيسابوري: ٣/ ١١٩، أضاف: (قال: فلمّا قدمت عائشة ذكرت قول رسول الله e فعصمني الله به).
(١١) بحار الأنوار: ١٠٠/٢٥٤.
(١٢) وسائل الشيعة: ١٨/٦ الباب ٢ من أبواب صفات القاضي ح ١.
(١٣) جامع المدارك: ٦/٧.
(١٤) مستدرك الوسائل: ٣/٣٣٣، الباب ٥، ح ٣٧١٥.
(١٥) يلاحظ: الخلاف: ٦/٢١٤.
(١٦) مستدرك الوسائل: ١٤/٢٨٥ باب ٩٥ ح ١٦٧٣١.
(١٧) وسائل الشيعة: ١٨/١٠١ الباب ١١ من أبواب صفات القاضي ح ٩.
(١٨) وسائل الشيعة: ١٨/٩٨ - ٩٩ الباب ١١ من أبواب صفات القاضي ح ١.
(١٩) يلاحظ: موسوعة الإمام الخوئي: ١/١٥.
(٢٠) وسائل الشيعة: ١٨/٥ الباب ١ من أبواب صفات القاضي ح ٨.
(٢١) المصدر السابق: ١٨/١٠٠ الباب ١١ من أبواب صفات القاضي ح ٦.
(٢٢) المصدر السابق: ١٨/٤ الباب ١ من أبواب صفات القاضي ح ٥.
(٢٣) مباني تكملة المنهاج: ١/١٠.
(٢٤) يلاحظ: معجم رجال الحديث: ٦/٢٦٧.
(٢٥) يلاحظ: معجم رجال الحديث: ١٨/١٠.
(٢٦) يلاحظ: معجم رجال الحديث: ٢٢/١١٠.
(٢٧) حيث ضعّفه الشيخ في الفهرست: ٧٩ ـ ٨٠ رقم ٣٢٧، ولكن وثّقه في موضع آخر على ما نقله العلّامة كما سيأتي.
(٢٨) يلاحظ: فهرست أسماء مصنّفي الشيعة (رجال النجاشي): ١٨٨ رقم ٥٠١.
(٢٩) يلاحظ: خلاصة الأقوال (رجال العلّامة): ٢٢٧ الباب الخامس رقم ٢.
(٣٠) مرادنا من التوقّف الاحتياط الوجوبي في رواياته، بمعنى أن لا يفتى على طبقها، ولا تترك ويذهب إلى الأصل العملي مثلاً، بل الاحتياط في مضامين رواياته.
(٣١) يلاحظ: معجم رجال الحديث: ٩/٢٨.
(٣٢) التنقيح في شرح العروة الوثقى: ١/٢٢٥.
(٣٣) بحث الاجتهاد والتقليد مسألة اشتراط الرجولة في المفتي (مخطوط).
(٣٤) يلاحظ: وسائل الشيعة: ١٤/١٥٥ ح٦، ٤٢ ح٤، ١٣١ ح٢، مستدرك الوسائل: ٣/ ٣٣٣ ح١، ٦/ ٤٦٨ ح١، ٨/٢٦٤ ح١، ٣٤٨ ح٢، ح٣، بحار الأنوار: ١٠٠/ ٢٢٨ ح٥، ح٣١.
(٣٥) لا يخفى أنّ الطرح الذي ذكرناه مغاير لما ذكره شيخنا الأستاذ F، وإليك بيانه في بحث الاجتهاد والتقليد، بحث اشتراط الرجولة في المفتي: (والمهمّ في الأمر هو أنّ ما يمكن أن يكون مستنداً للفقيه هو إطلاق السيرة، فإنّ العقلاء لا يفرّقون في الأخذ عن أهل الخبرة بين الرجل والمرأة، وإلّا فالأدلّة اللفظيّة ليس فيها المرأة، وإن وجد عنوان فهو قاصر عن شموله لها.
والإشكال فيها: هو عدم فائدتها ما لم تكن ممضاة من قبل الشارع، ومع تتبّع روايات أحكام النساء والروايات الواردة في شأنهنّ نستكشف عدم إمضاء الشارع لها في النساء ومن تلك الروايات..). ثمّ ساق مجموعة من الروايات سوف ننقلها في المتن.
(٣٦) الاجتهاد والتقليد، بحث اشتراط الرجولة في المفتي (مخطوط).
(٣٧) وسائل الشيعة: ١٤/١٢٨ الباب ٩٤ من أبواب مقدمات النكاح وآدابه ح ١.
(٣٨) المصدر السابق: ح ٢.
(٣٩) المصدر السابق: ١٤/١٢٨ـ ١٢٩ الباب ٩٤ من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه ح ٣.
(٤٠) المصدر السابق: ١٤/١٢٩ الباب ٩٤ من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه ح ٤.
(٤١) المصدر السابق: ح ٥.
(٤٢) المصدر السابق: ١٤/١٢٩ ـ ١٣٠ الباب ٩٤ من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه ح ٧.
(٤٣) من لا يحضره الفقيه: ٣/٥٥٤ ح٤٩٠٠.
(٤٤) علل الشرائع: ٢/٥١٢ ـ ٥١٣ ح١.
(٤٥) وسائل الشيعة: ١٤/١٣١ الباب ٩٦ من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه ح ٢.
(٤٦) المصدر السابق: ١٤/١٧٦ ـ ١٧٧ الباب ١٣٦ من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه ح ١.
(٤٧) المصدر السابق: ح ٢.
(٤٨) جواهر الكلام: ٤٠/١٤.
(٤٩) القضاء والشهادات (للشيخ الأنصاري): ٤١.
(٥٠) وسائل الشيعة: ٢٧/١٧ الباب ٣ من أبواب صفات القاضي ح ٣.
(٥١) المصدر السابق: ح ٢.