الشهرة حجّة ومرجّح وجابر
الشيخ حميد رُمح الحلّيّّ (دام عزّه)
اهتمّ الفقهاء بمصطلح الشّهرة وحجّيتها؛ لتأثير نتيجة البحث في بعض أقسامه على إضافة وسيلةٍ من وسائل إثبات الأحكام الشّرعية، أو مرجّحٍ لمرجّحات باب التّعارض، أو جابر للضعف السّنديّ.
وهو ما يتكفّل بحثنا هذا ببيانه إثباتاً أو نفياً.
المقدّمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على خير خلقه محمَّد وآله الطيّبين الطّاهرين المعصومين، واللّعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدّين.
الشُّهرة في اللّغة: وضوح الأمر(١). أمّا في اصطلاح الأصوليين، فتضاف تارةً إلى الرواية، وأخرى إلى الفتوى، لذلك قسّمت إلى قسمين رئيسين(٢):
الأوّل: الشهرة في الرواية، وهي عبارة عن شيوع نقل الخبر من عدّة رواة على وجه لا يبلغ حدّ التواتر، سواء اشتهر العمل به عند الفقهاء أم لم يشتهر.
والآخر: الشهرة في الفتوى، وهي عبارة عن شيوع الفتوى بحكم شرعيّ عند الفقهاء، وذلك بأن يكثر المفتون به على وجهٍ لا تبلغ معه حدّ الإجماع الموجب للقطع برأي المعصوم i.
وتُقسّم الأخيرة ـ أيضاً ـ إلى قسمين:
١. الشهرة العمليّة الاستناديّة: وهي ما علم باستنادها إلى خبرٍ خاصٍّ موجودٍ بين أيدينا، وتسمّى شهرةً عمليةً استنادية؛ لاستناد الفقهاء القريب عصرهم من عصر الأئمّة i في فتواهم إلى رواية خاصّة.
٢. الشهرة الفتوائيّة: وهي اعتبار عدمه، بأن لا يعلم أنّ مستندها أي شيء هو، فتكون شهرةً في الفتوى مجرّدةً، سواء كان هناك خبر على طبق الشهرة ولكن لم يستند إليه المشهور، أو لم يُعلم استنادهم إليه أو لم يكن هنالك خبر أصلاً، وسمّيت ـ في غير الصورة الأخيرة ـ بالشهرة الفتوائيّة(٣) المطابقيّة، لمطابقة فتاواهم مع مضمون الرواية من دون استناد إلى روايةٍ معيّنة.
قال المحقّق النائيني S: (إنّ الشهرة تارةً تكون في الرواية، وأخرى في العمل، وثالثة في الفتوى. أمّا الشهرة في الرواية، فهي عبارة عن اشتهارها بين أصحاب الأئمّة i من حيث الرواية، بأن يكون الراوي لها كثيراً. والشهرة العمليّة عبارة عن اشتهار الرواية من حيث العمل، بأن يكون العمل بها كثيراً، ويعلم ذلك من استناد المُفتين إليها في الفتوى، فبين الشهرتين عموم من وجه. وأمّا الشهرة الفتوائيّة فهي عبارة عن اشتهار الفتوى بين أرباب الفتاوى من قدماء الأصحاب، الذين يقرب عصرهم من عصر الأئمّة i، سواء عُلم استنادهم في تلك الفتوى إلى رواية فيها أم لا، فبينها وبين الشهرة العمليّة أيضاً عموم من وجه)(٤).
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ الشهرة مطلقاً قد بُحث عنها على ثلاثة مستويات:
المستوى الأوَّل
صلاحيّتها لأنْ تكون حجّةً على الحكم الشَّرعيّ
اعلم أنّ الأصوليين ذكروا نوعين من الوسائل لإثبات صدور الدليل الشرعيّ عن الشارع:
النّوع الأوَّل: وسائل الإثبات التعبّدي، وأهمّ ما يذكر فيه ـ عادةً ـ خبر الواحد، وهو كلّ خبر لا يفيد العلم. ولاشكّ في أنّه ليس حجّةً على الإطلاق وفي كلّ الحالات، وقد بحثوا في حجّيّة بعض أقسامه، كخبر الثقة(٥) على مرحلتين:
الأولى: إثبات حجّيّته على نحو القضية المهملة.
الثّانية: تحديد دائرة هذه الحجّيّة وشروطها.
النّوع الثّاني: وسائل الإثبات الوجداني، والمقصود بها كلّ وسيلة تورث اليقين بالدليل الشرعي كالتواتر والإجماع على كلام فيهما.
وقد بحثوا عن الشهرة الفتوائيّة(٦) تارةً كوسيلة إثباتٍ وجدانيّة، وأخرى كوسيلة إثباتٍ تعبّديّة، وممّن بحثها بهذه الطريقة السيّد الشهيد الصدر S. وغيره لم يفصّل البحث بهذه الطريقة، وإنّما بحث عن حجّيّتها مطلقاً.
والفارق بين الطريقتين يكمن في فرز أدلّة الحجّيّة إلى أدلّة وجدانيّة تنحصر في نظريّة حسـاب الاحـتـمالات التي يتبـنـّاها السيّد الشهيد الصدر S، والـى أدلّـة تعبّـديّة يشتـرك فـي إقامتها جميع القائلين بحجّيتها كما سيأتي بيانه.
ولكي نستوعب البحث من جميع جهاته سنوقع الكلام عن حجّيّة الشهرة كوسيلة وجدانيّة أوّلاً، ثمّ عنها كوسيلة تعبّديّة.
أمّا البحث عنها كوسيلة إثبات وجدانيّة فهو ـ كما مرّ ـ ممّا انفرد ببيانه السيّد الشهيد الصدر S، وإنْ كان في نهاية المطاف قد اختار عدم حجّيّتها غالباً كوسيلة وجدانيّة.
وحاصل ما أفاده S ببيان منّا: أنّه بعد الاتّفاق على أنّ الشهرة الروائيّة هي تعدّد الرواية بدرجةٍ لا تبلغ معها حدّ التواتر، وأنّ الشهرة في الفتوى هي انتشار الفتوى بدرجةٍ لا تبلغ حدّ الإجماع، فإذا حدّدنا التواتر تحديداً كيفيّاً(٧) بالتعدّد في الرواية الواصل إلى درجةٍ موجبةٍ للعلم ـ ولو بمعنى يشمل الاطمئنان ـ فسوف لا تتجاوز الشهرة في الحديث ـ التي فُرض فيها أنّها تكون دون التواتر ـ درجة الظنّ. والخبر الظنّي ليس من وسائل الإحراز الوجداني للدليل الشرعي، بل يحتاج ثبوت حجّيته إلى التعبّد الشرعي كما سيأتي.
وإذا حدَّدنا الإجماع تحديداً كيفيّاً بتعدّد المُفتين إلى درجة موجبة للعلم ـ ولو بمعنى يشمل الاطمئنان ـ فسوف لا تتجاوز الشهرة في الفتوى ـ التي فُرض فيها أن تكون دون الإجماع ـ درجة الظنّ بالدليل الشرعي. وهو ليس كافياً للإحراز الوجداني للدليل الشرعي، ما لم يقم دليل على التعبّد بحجّيته.
وإذا حدّدنا الإجماع تحديداً كمّيّاً عدديّاً باتّفاق طائفة من الفقهاء، كان معنى الشهرة في الفتوى تطابق الجزء الأكبر من هذه الطائفة: إمّا مع عدم وجود فكرة عن آراء الآخرين، أو مع الظنّ بموافقتهم أيضاً، أو مع العلم بخلافهم. والشهرة بهذا المعنى قد تدخل في الإجماع بالتحديد الكيفيّ المتقدّم، وتوجب إحراز الدليل الشرعي بحساب الاحتمال، وهو أمر يختلف من موردٍ إلى آخر. كما أنّ إحراز مخالفة البعض يعيق الكشف القطعي للشهرة بدرجة تختلف تبعاً لنوعيّة البعض وموقعه، ولخصوصيّات أخرى.
لذلك قال S: (أمّا على مقتضى القاعدة، فحجّيّة الشهرة لا بُدَّ وأن تكون كحجّيّة الإجماع على أساس حساب الاحتمالات وتراكمها حتى يحصل اليقين أو الاطمئنان بالحكم على أساسها، إلّا أنّ جريان حساب الاحتمالات فيها أضعف من جريانه في باب الإجماع لسببين: قصور كمّيّة الأقوال والفتاوى؛ لأنّ المفروض عدم اتّفاق كلّ العلماء، ومعارضتها بفتاوى غير المشهور لو كانت مخالفةً، فتكون مزاحمةً مع حساب الاحتمالات في فتاوى المشهور، ولهذا يكون الغالب عدم انتاج حساب الاحتمالات في باب الشهرة، فلا تكون حجّةً غالباً)(٨).
أمّا ثبوت حجّيّة الشهرة تعبّداً فإنّه يتوقّف على مقدّمةٍ، حاصلها: أنّ فتوى مجتهدٍ واحدٍ أو أكثر من القدماء مالم تبلغ حدّ الشهرة، هل تكون حجّةً على مجتهدٍ آخر أو لا؟
فإنْ أجيبَ بالنفي لم يكن مجالٌ للبحث عن حجّيّة الشهرة الفتوائيّة؛ لأنّه يكون من قبيل اجتماع الحجج، وهذا هو معنى ما اتّفقوا عليه من عدم جواز التقليد بالنسبة لمنْ يتمكّن من الاستنباط.
وإنْ أُجيب بالإيجاب اتَّجه البحث عن حجّيّة الشهرة الفتوائيّة.
فالقائل بالحُجّيّة يمكن أن يستدلَّ بثلاثة أمور:
الأوّل: إنّ بناء القدماء على الإفتاء بمضمون الروايات وعدم التعدّي عنها، وذكروا مجموعة من الشواهد على ذلك:
(منها) عملهم برسالة الشيخ علي ابن بابويه تنزيلاً لفتواه منزلة روايته.
(ومنها) اعتماد هذه الطريقة من قِبَل الشيخ الصدوق في المقنع.
(ومنها) ما ذكره الشيخ في مقدّمة المبسوط من أنَّ المسألة لو غُيِّر لفظها وعُبِّر عن معناها بغير اللفظ المعتاد لهم لعَجبوا منها وقصُر فهمهم عنها، وأنّه أوردَ جميع ذلك أو أكثره بالألفاظ المنقولة حتى لا يستوحشوا من ذلك(٩).
الثّاني: إنّ النقل بالمعنى ممّا يمكن أن يُعوَّل عليه في الإفتاء، فهو غير مُضرٍّ حتى عند منْ لا يقول بالحجّيّة؛ إذ الفتوى غالباً لا تكون خاليةً من النقل بالمعنى، ولا فرق بين أن يكون الناقل بالمعنى من الرواة أو من الفقهاء، بل نقل الفقيه بالمعنى أدقّ من غيرِه؛ لأنّه يعرف مزايا الكلام، فما ينقله بالمعنى يكون أكثر تطابقاً مع ما صدر عن الإمام بخلاف غير الفقيه.
الثّالث: إنّه بعد إثبات أنّ فتواه خبر على نحو النقل بالمعنى ـ وهذا غير مضرٍّ ـ فمرجعُه إلى الخبر عن الإمام g. وفي صورة الشكّ في تخلّل الاجتهاد وعدمه: يعني في صورة الشكّ في كونه حدسيّاً ـ بتخلّل الاجتهاد ـ أم حسّياً تجري أصالة الحسّ ـ كما يقال ذلك في توثيقات الرجاليين ـ فيكون حجّةً، أو يقال بما أنّهم أهل خبرة في صحيح الروايات وسقيمها فيكون رأيهم حجّةً.
وقد ناقش القائلون بعدم الحجّيّة في صحّة الأمور الثلاثة، فقال بعض أعاظم العصر F (١٠):
((أمّا الأمر الأوّل فلم يؤيَّد بالشواهد، بل الظاهر أنّ قدماء الأصحاب كانوا يستنبطون ويفرّعون الفروع، وكانت أنظارهم مختلفة في الاستناد إلى حديث معيّن، وفي جميع الروايات المختلفة، وكانوا يمشون وفق الأصول، لكنّه لا على نحو الأصول المنظور في زماننا، وربّما كان فيهم من يقول بأوسع ممّا نقوله في دخالة الآراء للفتاوى، فقد ذكر في الفقيه بعد نقله لكلام الفضل بن شاذان مع جلالة قدره: (وهذا ممّا زلّت به قدمه عن الطريق المستقيمة، وهذا سبيل من يقيس).
وقال في التهذيب بعد نقل قول يونس ومَن تبعه، وفضل بن شاذان ومن تبعه: (وما ذكره أصحابنا من خلاف ذلك ليس به أثر عن الصادقين، ولا عليه دليل من ظاهر القرآن، بل إنّما قالوه لضربٍ من الاعتبار، وذلك عندنا مطروح بالإجماع).
ونُسب إلى ابن الجنيد وغيره العمل بالقياس، والشواهد التاريخية لا تؤيّد أنّ جميع علمائنا كانوا كذلك. نعم، جماعة منهم كانوا على هذا المنوال، فإنّه كان في عصر المفيد والطوسي مدارس ثلاثة: مدرسة المتطرّفين في العمل بالرأي حتّى القياس، ومنهم ابن الجنيد، ومدرسة الأخباريين والمحدّثين في قبال ابن الجنيد وأمثاله، ومدرسة معتدلة، وهذه المدرسة كانت تعارض ابن الجنيد، فإنّ للمفيد رسائل في ردّ القائلين بالقياس، وفي خصوص ابن الجنيد، كما أنّ لهم معارضة شديدة مع المحدّثين، فلا يمكن القول بأنّ الكلّ كانوا يفتون بنفس الروايات.
وأمّا الأمر الثّاني ـ وهو عدم الضير في النقل بالمعنى ـ فكما يقولون.
وأمّا الأمر الثّالث فعلى فرض قبولهم روايةً والاعتماد عليها، فإنّا إمّا أن نقول بحجّيّة خبر الثقة، فإنّ الروايات الصحيحة عندهم أعمّ من أن تكون رواتها ثقات أو غير ثقات، كما يظهر ذلك من المراجعة إلى الكافي وغيره.
وإمّا أن نقول بحجّيّة الخبر المطمأن به، وعلى ذلك: اطمئنانهم لا يوجب الاطمئنان لنا. وإن قيل إنّ قولهم حجّة من جهة أنّهم أهل الخبرة، فإنّا نرى أنّهم مختلفون فيما بينهم، فإنّ الشيخ المفيد والسيّد المرتضى لا يرون عدّةً منهم أهلاً لذلك.
وقد تأمّل بعضٌ في توثيقات الشيخ المفيد، فإنّه أوّل من قال بالتوثيق في أربعة آلاف من أصحاب الصادق g، وقد ذكر الوحيد البهبهاني والشيخ محمّد ابن صاحب المعالم وجه التأمّل في توثيقاته).
وبعد اتّضاح هذه المقدّمة، وبطلان هذه الأمور الثلاثة في الجملة، والاتّفاق على أنّ فتوى مجتهدٍ واحدٍ أو أكثر من القدماء ما لم تبلغ حدّ الشهرة لا تكون حجّةً على مجتهدٍ آخر، فقد قيل: إنّ الشهرة الفتوائيّة حجّة على الحكم الذي وقعت عليه الفتوى من جهة كونها شهرةً، فتكون من الظنون الخاصّة كخبر الواحد.
وهو ما يمكن أن يلاحظ في استدلالات الشهيد الأوّل S في الذكرى، وكذلك صاحب الرياض، والمحقّق الخوانساري، وصاحب المعالم S.
وقيل: لا دليل على حجّيّة الظنّ الناشئ من الشهرة مهما بلغ من القوّة.
وقد استدلّ القائلون بحجّيّتها بأمور ٍ ـ وصَفَها المحقق النائيني S بأنّها ضعيفة(١١) ـ:
الأمر الأوّل: وهو ما عُنون بعنوان أولويّة الشهرة من خبر العادل، بمعنى أنّ الظنّ
الحاصل من الشهرة لكونه أقوى من الظنّ الحاصل من خبر الواحد يكون أولى بالحجّيّة منه، فإذا ثبتت حجّيّة خبر الواحد ثبتت حجّيّة الشهرة الفتوائيّة بالأولويّة.
وبعبارة أخرى: إنّ حجّية الشهرة مستفادة من نفس دليل حجّية خبر الواحد بعد افتراض أنّ حجّيّته تثبت من باب الطريقيّة لا الموضوعيّة، وبعد افتراض أنّ الشهرة قد تفيد الظنّ والطريقيّة بنحو أكمل أو مساوٍ لما يفيده الخبر، خصوصاً إذا كان مع الواسطة.
وقد نسب الشيخ الأعظم S هذا الاستدلال إلى بعضٍ في بعض رسائلِه واصفاً إيّاه بالخيال الضعيف، وأنَّ نظيرهُ قد وقعَ من الشهيد الثاني في المسالك(١٢).
وقد أجيب عنه بوجوه:
الأوّل: ما عن المحقّق النائيني S من (أنّ مناط حجّيّة الخبر لوكان إفادته الظنّ، فللقول بحجّيّة الشهرة بنحو الموجبة الجزئيّة مجال واسع. وأمّا إذا كانت حجّيّته للأدلّة الخاصّة الدالة عليها، فلا وجه للتعدّي عن موردها إلى موردٍ آخر لم يُعلم فيه تحقّق مناطها)(١٣).
الثّاني: ما ذكرهُ السيّد الخوئي S من أنّ من المحتمَل أن يكون ملاك حجّيّة الخبر لا لمجرّد إفادته الظنّ ليُتعدّى منه إلى الشهرة بدعوى إفادتها ذلك أيضاً، بل من أجل أنّ الخبر غالب المطابقة للواقع، فإنَّ غالب الإخبارات تكون من حسٍّ، وهي في الغالب مطابقة للواقع، واحتمال تعمُّد الكذب مرفوع بوثاقة الراوي، كما أنّ احتمال غفلتهِ في الأمور الحسّيّة يدفعهُ البناء العقلائي، وهذا لا يُحرز في الشهرة(١٤).
وقد وصف السيّد الشهيد الصدر S في بحوثه كلام أستاذِه بأنّه (غير صحيح، إذ لو فرض أنّ الشهرة تفيد الظنّ، وأنّه ظنّ نوعي عقلائي لا شخصي، وأنّه يساوي في درجة كشفه لدرجة كشف الخبر، فلا محالة يكون درجة مطابقة مجموع الشهرات للواقع بمقدارها في مجموع الأخبار، وهذا مضافاً إلى أنّه وجداني واضح مبرهن عليه في منطق الاستقراء وحساب الاحتمالات، فالتفكيك بين درجة الكشف النوعي وغلبة المطابقة للواقع غير فنّي. نعم، يمكن دعوى أنّ الشارع بعلمه الغيبي ربّما أحرز ـ صدفةً ـ أنّ مجموع أخبار الآحاد أكثر مطابقةً للواقع من مجموع الشهرات)(١٥).
الثّالث: وهو عبارة عن مجموعة أجوبة للسيّد الشهيد الصدر S بعد مناقشته لجواب السيّد الخوئي S حيث قال: (وأيّاً ما كان، فالجواب عن هذا الوجه إمّا أن يكون على أساس ما ذكرناه من إحراز الشارع بعلمه الغيبي أغلبيّة مطابقة الخبر للواقع من الشهرة، وهذا إنّما يتّجه إذا كانت حجّيّة الخبر تأسيسيّة شرعيّة، لا إمضائيّة عقلائيّة.
أو إنكار إفادة الشهرة الحدسيّة للظنّ بمقدار خبر الثقة الحسّي، أو أنّ التزاحم الحفظي الذي هو ملاك جعل الحجّيّة والحكم الظاهري يكفي فيه في نظر الشارع والعقلاء جعل الحجّيّة بمقدار خبر الثقة. وأمّا في غيره من الدوائر فيرجع إلى القواعد والأصول الأخرى، فالملاكات المتزاحمة يستوفى الأهم منها بمقدار الحجّيّة للخبر بلا حاجة إلى جعلها للشهرة أيضاً، وهذا هو حلّ هذه المغالطة الكلّيّة، وهي دعوى استفادة حجّيّة شيءٍ من دليل حجّيّة مماثلِه)(١٦).
الأمر الثّاني: إنّ المستفاد من عموم التعليل في آية النبأ(١٧) أنّ كلّ ما يُؤمَن معه من الإصابة بجهالةٍ فهو حجّة يجب الأخذ به(١٨). والشهرة كذلك، فقد قال المحقّق النائيني S في معرض حكايته لهذا الاستدلال: (إنّ المستفاد من عموم العلّة في آية النبأ هو أنّ كلّ ما لم يكن فيه إصابة القوم بجهالةٍ فلا بدّ من الأخذ به، فكما أنّ الشهرة الفتوائيّة توجب خروج العمل بالرواية الضعيفة عن إصابة القوم بجهالةٍ، فكذلك يكون العمل على طبق نفس الشهرة خارجاً عنها أيضاً)(١٩).
وأجيب عنه: بأنّه على فرض التسليم بأنّ قوله تعالى {أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} واردٌ مورد التعليل، فهو ليس تمسّكاً بعموم التعليل، بل هو تمسّك بنقيض عموم التعليل، ولا دلالة في الآية على نقيض عموم التعليل بالضرورة؛ لأنّ هذه الآية نظير قول الطبيب (لا تأكل الرمان لأنّه حامض) مثلاً، فإنّ هذا التعليل لا يدلّ على أنّ كل ما هو ليس بحامض يجوز أو يجب أكله. وكذلك الحال ههنا؛ فإنّ حرمة العمل بنبأ الفاسق بدون تبيّن ـ لأنّه يستلزم الإصابة بجهالةٍ ـ لا تدلّ على وجوب الأخذ بكلِّ ما يُؤمَن فيه ذلك.
إنْ قلت: كيف إذن تمسّكوا بعموم التعليل المذكور في إبطال الاستدلال بمفهوم الشرط في آية النبأ على حجّية خبر الواحد بحجّة أنّه يقتضي إسراء الحكم المُعلَّل إلى سائر موارد عدم العلم؟
قلنا: إنّ هذا يتمُّ بناءً على تفسير الجهالة في الآية الكريمة بعدم العلم، لكننا لا نلتزم بهذا التفسير، وإنّما نلتزم بتفسير صاحب الكفاية S من أنّ الجهالة المذكورة في التعليل ليست بمعنى عدم العلم، بل بمعنى السفاهة والتصرّف غير المتّزن، فلا يشمل خبر العادل الثقة؛ لأنّه ليس سفاهةً ولا تصرّفاً غير متّزنٍ لا ينبغي صدورهُ من العاقل(٢٠).
فالحاصل: أنّ غاية ما تدلّ عليه الآية الكريمة في تعليلها أنّ الإصابة بجهالةٍ مانع عن تأثير المقتضي لحجّيّة الخبر، ولا تدلّ على وجود المقتضي للحجّيّة في كلّ شيءٍ آخر حيث لا يوجد فيه المانع حتّى تكون دالةً على حجّيّة مثل الشهرة المفقود فيها المانع.
وبعبارة أخرى: إنّ فقدان المانع عن الحجّيّة في مثل الشهرة لا يستلزم وجود المقتضي فيها للحجّيّة، ولا تدلّ الآية على أنّ كلّ ما ليس فيه مانع فالمقتضي فيه موجود.
ولهذا وصف المحقّق النائيني S هذا الاستدلال بكونه ضعيفاً، وأجاب عنه بأنّ (معنى العمل بعموم العلّة هي تسرية الحكم المذكور إلى كلّ مورد تكون فيه العلّة، كما يستفاد من قضية (لا تشرب الخمر فإنّه مسكر) حرمة كلّ مسكر، لا إثبات نقيض الحكم المذكور فيما لا تتحقّق فيه العلّة، بأن تكون القضية المذكورة دالّة على حلّيّة كلّ ما لم يكن مسكراً. وعليه فالمستفاد من قوله تعالى هو: أنّ كلّ عمل يكون فيه إصابة قومٍ بجهالة فهو مرغوب عنه، لا أنّ كلّ ما لا يكون في العمل على طبقه إصابة القوم بجهالة يكونُ العمل على طبقه واجباً)(٢١).
الأمر الثّالث: دلالة بعض الأخبار، وهما روايتان:
الرواية الأولى: مقبولة عمر بن حنظلة التي جاء فيها: (قال: سألت أبا عبد الله g عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دَينٍ أو ميراث، فتحاكما ـ إلى أن قال: ـ فإن كان كل واحد اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما، واختلف فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم؟ فقال: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يُلتفت إلى ما يحكم به الآخر. قال: فقلت: فإنّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على صاحبه؟ قال: فقال: يُنظر إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه عند أصحابك فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه ـ إلى أن قال: ـ فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: يُنظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسُنّة وخالف العامة فيؤخذ به، ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسُنّة ووافق العامة. قلت: جعلت فداك، إن رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسُنّة ووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامّة والآخر مخالفاً لهم، بأيّ الخبرين يؤخذ؟ فقال: ما خالف العامّة ففيه الرشاد. فقلت: جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعاً؟ قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل ـ حكامهم وقضاتهم ـ فيترك ويؤخذ بالآخر. قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعاً؟ قال: إذا كان ذلك فأرجئه حتّى تلقى إمامك؛ فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات)(٢٢).
والاستدلال بها موقوف على تماميّة مقدّمتين:
الأولى: أن يراد بالإجماع الإجماع النسبي المساوق للشهرة إلحاقاً للمخالف النادر بالعدم، والقرينة التي قد تدّعى على ذلك أنّه قد فُرض في الرواية وجود الشاذ النادر في قبال المشهور عند الأصحاب، فيكون قرينةً على أنّ المراد بالمجمع عليه في الذيل (فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه) هو المشهور أيضاً.
الثّانية: أنْ يكون قوله g: (فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه ) مسوقاً مساق التعليل، وهو يقتضي التعميم وحمل الكلام على أنّ كلّ مشهور لا ريب فيه، فتثبت حجّيّة الشهرة.
إلّا أنّ السيّد الشهيد الصدر S وصف كلتا المقدّمتين بأنّهما باطلتان:
أمّا الأولى؛ فلأنّ المراد من الشهرة في إطلاق الرواية المعنى اللّغوي الصالح للانطباق على الإجماع أيضاً.
ودعوى وجود القرينة الدالة على إرادة الشهرة الفتوائيّة مردودةٌ بأنّ النظر فيها إلى الشهرة الروائيّة لا الفتوائيّة. وفي باب الرواية يعقل الاتّفاق والإجماع على نقل روايةٍ مع وجود روايةٍ شاذّة ينفرد بنقلها بعض أولئك لا كلّهم. وليست الرواية كالفتوى ليكون وجود النقل الشاذّ منافياً مع الاتّفاق على نقل الرواية المشهورة، ومعه لا موجب لحمْل قوله g: (فإنّ المجمع عليه لاريب فيه) على الشهرة الاصطلاحيّة أصلاً.
وأمّا الثّانية؛ فلأنّ نفي الريب يحتمل أن يراد منه أحد تفسيرات أربعة:
وهذا إنّما يكون مخصوصاً بالشهرة الروائيّة بالمعنى الذي ذكرناه، ولا يتمّ في الشهرة الفتوائيّة؛ لوضوح عدم انتفاء الريب الوجداني فيها.
(ودعوى) أنّ المقبولة إنّما رجّحت بالشهرة بعد الصفات، فلو أُريد من الشهرة فيها الاستفاضة في النقل والشهرة الروائيّة بمرتبة حصول اليقين لم يصحّ ذلك؛ لأنّ المعارض كان ساقطاً حينئذٍ في نفسه وكان من تعارض الحجّة مع اللاحجّة، (مدفوعةٌ) بأنّ الترجيح بالصفات ترجيح للحاكم لا الرواية، على ما ذُكر مفصّلاً في بحث التعارض.
وهذا الاحتمال ـ مضافاً إلى أنّه خلاف الظاهر؛ لِما تقدّم من ظهور الريب في الشكّ الوجداني لا ما يقابل الحجّة العقلائيّة ـ لا يفيد في إثبات حجّيّة الشهرة الفتوائيّة كما هو المطلوب؛ لأنّ التعليل إذا كان مسوقاً لإمضاء قضيّةٍ عقلائيّة تنحصر بحدودها، ومن الواضح أنّ العقلاء لا يتبعون الشهرة الفتوائيّة في الأمور الاجتهادية الحدسيّة، كما هو واضح.
وفيه: أوّلاً: إنّه خلاف الظاهر من ناحية أنّه مبتنٍ على حمل الريب على ما يقابل الحجّة الشرعيّة والريب التعبّديّ، أو جعل الجملة إنشائيّةً لا خبريّة. وكلاهما خلاف الظاهر.
وثانياً: إنّ ظاهر التعليل أنّه تعليل بأمر تكوينيّ ارتكازيّ لا غيبيّ تعبّديّ.
وفيه: أوّلاً: إنّه خلاف الظاهر؛ لما تقدّم من ظهوره في نفي الريب المطلق لا الحيثي.
وثانياً: إنّه لا يفي بالمقصود؛ لأنّ مفادها حينئذٍ الترجيح بالمزيّة، فلو استُفيد التعميم فغايته التعميم في الترجيح بكلّ مزيّةٍ موجودةٍ في أحد الخبرين مفقودةٍ في الآخر بعد الفراغ من أصل الحجّية، لا إثبات حجّية تأسيسيّة بعنوان عدم الريب النسبي، فيكون خبر الكاذب ـ مثلاً ـ حجّةً، لأنّه لا ريب نسبي فيه بلحاظ خبر الكذّاب، وهذا واضح الفساد(٢٣).
الرّواية الثّانية: مرفوعة زرارة، حيث قال: (جعلت فداك، يأتي عنكم الخبران والحديثان المتعارضان، فبأيّهما نعمل؟ قال g: خُذْ بما اشتهر بين أصحابك، ودع الشاذّ النادر. قلت: يا سيديّ، هما معاً مشهـوران مأثـوران عنكـم؟ قـال: خذ بـما يقوله أعدلهما...)(٢٤) إلى آخر الخبر.
ووجه الاستدلال بها بطريقين:
الطّريق الأوَّل: أنّ قول الإمام g: (خذ بما اشتهر بين أصحابك واترك الشاذّ والنادر) يعمّ الشهرة الروائية والفتوائية، وموردها وإن كان خصوص الروائيّة دون الفتوئيّة إلّا أنّ المورد لا يكون مخصّصاً لعموم العام؛ فإنّ العبرة بعموم الجواب لا بخصوص السؤال(٢٥).
أي أنّ المراد من الموصول في قوله (بما اشتهر) مطلق المشهور بما هو مشهور، لا خصوص الخبر، فيعمّ المشهور بالفتوى؛ لأنّ الموصول من الأسماء المبهمة الّتي تحتاج إلى ما يعيّن مدلولها، والمعيّن لمدلول الموصول هو الصلة، وهنا هي قوله (اشتهر) التي تشمل كلّ شيء قد اشتهر حتّى الفتوى.
وقد أجاب المحقّق النائيني S عن هذا الطريق بجوابين(٢٦):
الأوَّل: إنَّا نُسلِّم أنَّ المورد ليس مخصّصاً لعموم العام، إلّا أنّه فرع وجود العموم في الكلام، والمقام ليس كذلك، فإنّ لفظة (ما) من الأسماء المبهمة، فكما أنّ الصلة المذكورة في الكلام معرّفة لها، فكذلك لفظ (الخبر) المذكور في السؤال معرّف لها، فلا تكون لفظة (ما) إلّا كناية عن الخبر، لا عن كلّ شيء، فيكون مفاد قوله g: في مورد المعارضة لا بدّ من الأخذ بالخبر المشهور وترك الشاذّ النادر، ليس إلّا، والقرينة على ذلك هو السؤال.
الثّاني: إنّ الظاهر من لفظ (الشهرة) المذكور في الرواية ليس هو المعنى المصطلح بين الفقهاء، وإلّا لما أمكن فرض الشهرة في كلّ من الروايتين، بل المراد منه المعنى اللّغوي، وهو ما يكون ظاهراً وبيّناً، فيكون معنى الرواية أنّه يجب الأخذ بالرواية التي رواها الكلّ، وهي ظاهرة بين الأصحاب، وترك الشاذّ النادر الذي اختصّ بنقله أشخاص معدودون.
وقد فرَّعَ S على هذا الوجه جواباً عن التعليل المذكور في المقبولة بـ (أنّ المُجمَع عليه لا ريب فيه).
وحاصل هذا الجواب: أنّ جعْل الشاذ الذي ليس بمشهور مقابلاً للمُجمَع عليه قرينة على أنّ المراد بالمُجمَع عليه ليس هو المشهور المصطلح عليه بين الفقهاء حتّى يدلّ على وجوب الأخذ بكلِّ مشهور، بل المراد منه ما اتّفق الكلّ على روايته. وأنَ المراد من المشهور معناه اللّغوي، ولذا جعلهُ الإمام g من قبيل ما هو بيّن رشده، وجعل مقابله من المُشكِل الذي يُرَدُّ عِلمُه إليهم i.
فالروايتان أجنبيّتان عن الشهرة الفتوائيّة بالمعنى المصطلح بالكليّة(٢٧).
الطّريق الثّاني: أنّه على تقدير أن يراد من الموصول في قوله g (بما اشتهر) الخبر، فإنّ المفهوم من المرفوعة إناطة الحكم بالشهرة، فتدلّ على وجوب اعتبار الشهرة بما هي شهرة، فيدور الحكم معها حيثما دارت، فتكون الفتوى المشتهرة أيضاً معتبرة كالخبر المشهور.
وهو ما استقرَّ عليه رأي السيّد الشهيد الصدر S في بحث التعارض على أساس قرائن، من جملتها تقديم الترجيح بالشهرة في المرفوعة على الترجيح بصفات الراوي، حيث يفرض السائل بعد هذه الفقرة أنّهما معاً مشهوران، وهذا لا يتناسب مع كون المراد بالشهرة الروائيّة، لأنّها توجب الوثوق بالصدور عادةً، ومعه لا مجال للترجيح بالصفات التي هي مرجّحات سنديّة، فيتعيّن أن يكون المراد الشهرة في الفتوى والعمل.
إلّا أنّه S وصف هذا الوجه بأنّه غير تامٍّ أيضاً لسببين:
(أوّلاً: ضعف سند المرفوعة، بل هي من أضعف الروايات.
ثانياً: ضعف الدلالة، حيث إنّها ظاهرة في الأخذ بالحديث المشتهر بين الأصحاب شهرة فتوائيّة، فإنّ (ما) الموصولة لا مرجع لها إلّا ذلك؛ لأنّه المذكور في كلام الراوي لا الفتوى، ولو أغمضنا عن ذلك وافترضنا إرادة الفتوى المشهورة كالرواية فسياقها سياق الترجيح في مقام التعارض لإحدى الحجّتين على الأخرى، لا تأسيس حجّة جديدة)(٢٨).
فالحاصل ممّا تقدَّم: عدم إمكانيّة الالتزام بحجّيّة الشهرة كوسيلة من الوسائل التعبّديّة لإثبات الأحكام الشرعية.
المستوى الثّاني
في كون الشّهرة مرجّحاً لأحد الخبرين المتعارضين
التعارض: هو التنافي إمّا بالذات أو بالعرض على وجهٍ يستلزم التناقض أو التضاد لو أُريد الجمع، وذلك لأنّ الدليلين إمّا متنافيان بحسب الدلالة أو غير متنافيين.
وعلى الأوّل، إمّا أن تكون المنافاة بالذات أو بالعرض.
أمّا المنافاة بالذات فمعناها كون مدلول أحدهما منافياً لمدلول الآخر بحسب الدلالة المطابقيّة ـ حسبما يُفهم ذلك من العرف ـ تنافياً إمّا على نحو التناقض أو التضاد، كما لو فرض أنّ أحد الدليلين دلَّ على حرمة شيءٍ ودلَّ الآخر على عدم حرمته، أو دلّ أحدهما على وجوب شيء والآخر على حرمته، فإنّ العرف لو نظر إلى مدلول كلٍّ منهما لفهم أنّ كلّا ً منهما ينفي ما يُفهم من مقتضى الدليل صراحةً.
وأمّا المنافاة بالعرض فمعناها استناد عدم إمكان الجمع إلى أمر خارج عن مقتضى الدلالة، وذلك الأمر الخارج إمّا إجماع أو ضرورة أو خبر، فمثلاً لو دَلَّ دليل على وجوب صلاة الظهر في يوم الجمعة، ودلّ آخر على وجوب صلاة الجمعة، فإنّ العرف لا يرى منافاة بين الدليلين؛ لأنّه يجوز أن تكون هناك صلاتان في نهار واحد، ولكن بالنظر إلى نهوض الأدلّة على أنّه لا تجب على المكلّف صلاتان، إمّا للإجماع أو للضرورة، فحينئذ يكون علمنا بذلك الأمر الخارج عن ذات الدليلين موجباً للحكم بوجود منافاة بين مدلولي الدليلين، فيكون مدلول أحدهما مستلزماً لنفي مدلول الآخر بالدلالة الالتزاميّة التي منشؤها وسببها هو قيام الإجماع أو الضرورة ونحوهما من الخارج.
فتحصّل من ذلك: أنّ التعارض هو استلزام التنافي إمّا تنافياً ذاتيّاً مستفاداً من صريح اللفظ، وإمّا تنافياً عرضيّاً لأجل أمرٍ خارج عن دلالة الدليل على وجهٍ تستلزم إرادة الجمع بينهما إمّا التضادّ أو التناقض، وكلاهما مستحيل.
واعلم أنّهم بعد اتّفاقهم على أنّ التعارض (هو التنافي إمّا بالذات أو بالعرض على وجهٍ يستلزم التناقض أو التضاد) اختلفوا في أنّ متعلّق التنافي هل هو مدلول الدليلين، أم نفس الدليلين بحسب الدلالة ومقام الإثبات؟
فقد وصف الشيخ الأعظم S الأوّل بأنّه الغالب في الاصطلاح(٢٩)، واختاره المحقّق النائيني(S (٣٠. وذهب صاحب الكفاية إلى الثاني(٣١).
والسبب في هذا الاختلاف هو اعتقاد كلٍّ منهما بضرورة إخراج موارد الجمع العرفي ـ كالتزاحم، والتخصيص، والحكومة، والتخصّص، والورود ـ عن التعريف.
فصاحب الكفاية S يعتقد أنَّ تعريف المشهور قاصر عن ذلك؛ إذ إنّ التنافي بين المدلولين ثابت في موارد الجمع العرفي أيضاً فيشمله تعريفهم، بينما يسلم تعريفه من ذلك؛ لعدم التنافي بحسب الدلالة مع إمكان الجمع العرفي بين الدليلين، وهو ما دعاه للعدول عن تعريف المشهور.
في حين يعتقد المحقّق النائيني S بعدم شمول تعريف المشهور لموارد الجمع العرفي؛ وذلك لعدم التنافي بين المدلولين في الموارد المذكورة(٣٢).
وبهـذا يتّضـح لك اتّفاق الجميع على عـدم تحقّق التعارض في موارد التزاحم(٣٣)، أو التخصّص(٣٤)، أو الحكومة، أو الورود(٣٥).
لذلك صرّح بعضهم(٣٦) بأنَّ من شروط التعارض عدم كون أحد الدليلين مزاحماً أو مخصّصاً للآخر، أو وارداً أو حاكماً عليه، مضافاً إلى شروط أخرى:
منها: أن لا يكون أحد الدليلين أو كلٌّ منهما قطعيّاً؛ لأنّه لو كان أحدهما قطعيّاً عُلم منه كذب الآخر، وكون كلٍّ منهما قطعيّاً مستحيل في نفسه، كما لا يخفى.
ومنها: أن لا يكون الظنُّ الفعلي معتبراً في حجّيتهما معاً؛ لاستحالة حصر الظنّ الفعلي بالمتكاذبين كاستحالة القطع بهما. نعم، يجوز أن يعتبر في أحدهما الظنّ الفعلي دون الآخر.
ومنها: أن يكون كلٌّ من الدليلين المتعارضين واجداً لشرائط الحجّية، بمعنى أنّ كلّا ً منهما لو خُلّي ونفسه، ولم يحصل ما يعارضه، لكان حجّةً يجب العمل بموجبه وإن كان أحدهما لا على التعيين بمجرّد التعارض يسقط عن الحجّيّة بالفعل.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّهم اختلفوا في القاعدة الأوّليّة في المتعارضين على ثلاثة أقوال:
الأوّل: التساقط المطلق، وهو ما ذهب إليه المشهور.
الثّاني: بقاء الحجّيّة في الجملة في تمام موارد التعارض.
الثّالث: ما ذهب إليه المحقّق العراقي من التفصيل بين ما إذا كان الخبران متنافيين بحسب مدلولهما، فيحكم فيه بالتساقط المطلق، وبين ما إذا لم يكن تنافٍ بين مدلول الخبرين، بل يمكن صدقهما معاً لكنه عُلم بكذب أحد الراويين المستلزم لدلالة كلّ منهما بالملازمة على كذب الآخر، فيحكم فيه بالحجّيّة وتنجيز مدلولهما على المكلّف.
ومن المعلوم أنّه قبل الوصول إلى هذه المرحلة لابدَّ إمّا من محاولة الجمع العرفي(٣٧) بينهما ـ لتسالمهم على أنَّ الجمع أوْلى من الطرح، بل عن عوالي اللآلئ دعوى الإجماع على هذه القاعدة(٣٨)، ويعبَّر عن التعارض حينئذٍ بالتعارض غير المستقِّر ـ ، أو ترجيح أحد المتعارضين بعد فرض حجّيتهما معاً في أنفسهما(٣٩) وعدم إمكان الجمع العرفي، وهو ما يعبّر عنه بالتعارض المستقر.
والمرجّحات منها ما ادّعي أنّه منصوص عليه في الروايات، ومنها ما هو غير منصوص عليه(٤٠).
أمّا المُرجِّحات التي ادُّعي(٤١) أنّها منصوص عليها فخمس، وإنْ كانت الروايات الدالّة عليها عبارة عن أربعة أصناف، وذلك لوحدة روايات الترجيح بموافقة الكتاب ومخالفة العامة، وهذه المرجّحات الخمسة هي:
أوّلاً: الترجيح بموافقة الكتاب.
ثانياً: الترجيح بمخالفة العامّة.
ثالثاً: الترجيح بالأحدث زماناً.
رابعاً: الترجيح بصفات الراوي.
خامساً: الترجيح بالشهرة، وهو ما عُقد هذا الفصل للبحث عنه، فنقول:
إنّه قد تقدّم في (المقدّمة) أنّ الشهرة على أنواع ثلاثة: شهرة عمليّة استناديّة، وشهرة فتوائيّة مطابقيّة، وشهرة في الرواية وإنْ لم يكن العمل على طبقها مشهوراً.
أمّا الأولى والثّانية ـ المعبَّر عنهما بالفتوائية ـ فإنَّ القول بكونهما من المرجّحات في باب التعارض مبنيٌّ على القول بوجوب الترجيح بكلّ ما يوجب الأقربيّة للواقع، ومع ذلك فإنَّ تقوية الرواية بالعمل بها مشروط عند القائلين به بأمرين:
الأوّل: أن يُعلم استناد الفتوى إليها؛ إذ لا يكفي مجرّد مطابقة فتوى المشهور للرواية في الوثوق بأقربيّتها للواقع.
الثّاني: أن تكون الشهرة العمليّة قديمةً، أي واقعة في عصر الأئمّة i، أو العصر الذي يليه، والذي تمّ فيه جمع الأخبار وتحقيقها. أمّا الشهرة في العصور المتأخّرة فيشكل تقوية الرواية بها وترجيحها.
والقول بكونها من المرجّحات مبنيٌّ على القول بوجوب الترجيح بكل ما يوجب الأقربيّة للواقع؛ وذلك أنّ الشهرة الفتوائيّة لم يرد فيها من الأخبار ما يدلُّ على الترجيح بها، كما سيتّضح قريباً.
إلّا أنَّ السيّد الشهيد الصدر S لم يستبعد أن يكون ظاهر مرفوعة زرارة الآتية إرادة الاشتهار في الفتوى لا في الرواية، وذلك لقرينتين:
(أولاهما: ما جاء في افتراض السائل تعليقاً على الترجيح بالشهرة من إمكان اشتهار الروايتين المتعارضتين معاً، وهذا لا يناسب الشهرة في الرواية المساوقة مع قطعيّة الصدور؛ إذ لو أُريد ذلك لم يبقَ مجال بعد ذلك للترجيح بالأعدليّة والأوثقيّة عقلائيّاً.
ودعوى: أنّ الشهرة الروائيّة حينما توجد في المتعارضين معاً لا يحصل القطع بالصدور منها، مدفوعة بـ:: أنّ هذا إنّما يصحّ فيما إذا كان يستبعد صدور أحاديث متعارضة عن الأئمّة i، ولا استبعاد في صدورها عنهم بعدما عرف من حالهم الابتلاء بظروف التقية وغيرها من الملابسات التي كانت تضطرّهم إلى التحفظ والاحتياط، كما تشهد بذلك جملة من الأحاديث الواردة عنهم ـ إلى أنْ قال ـ فلا يؤثّر مجرّد تعارض الخبرين المشهورين بحسب الظهور في حصول القطع أو الاطمئنان بصدورهما معاً أثراً معتدّاً به.
ثانيتهما: إباء سياق الترجيح بالصفات في المرفوعة عن إرادة الشهرة الروائيّة؛ إذ لو كان المراد ذلك لكان المناسب أن يرجّح ما كان مجموع رواته أعدل وأصدق، مع أنّه جاء في تعبير الإمام g: (خذ بما يقول به أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك)، وجاء في تعبير السائل: (إنّهما معاً عدلان مرضيان)، وهو ظاهر في ملاحظة الراويين المباشرين،
وهكذا يظهر إمكان استفادة الترجيح بالشهرة الفتوائيّة من المرفوعة)(٤٢).
وأمّا الثّالثة ـ وهي الشهرة في الرواية ـ فقد ادَّعى العلّامة المظفر S أنَّ إجماع المحقّقين قائمٌ على الترجيح بها(٤٣).
وقد استدلَّ على كونها مرجّحاً بروايات:
الرّواية الأولى: مقبولة عمر بن حنظلة المتقدّمة حيث جاء فيها (فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه) بناءً على أنّ المقصود من (المجمع عليه) هو المشهور، بدليل فهم السائل ذلك، إذ عقّبه بالسؤال بقوله (فإنّ كان الخبران عنكما مشهورين)، ولا معنى لأنْ يراد من الشهرة الإجماع.
والبحث في هذه الرواية يقع من جهات:
الجهة الأولى: في سندها:
فقد قال السيّد الخوئي S: (إنّ الرجل ـ يعني عمر بن حنظلة ـ لم يُنصّ على توثيقه، ومع ذلك ذهب جماعة ـ منهم الشهيد الثاني ـ إلى وثاقته، واستدلّ على ذلك بوجوه:
الأوّل: ما رواه محمّد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن يزيد بن خليفة، قال: قلت لأبي عبد الله g: إنّ عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقتٍ، فقال أبو عبد الله g: (إذن لا يكذب علينا)(٤٤).
والجواب: أنّ الرواية ضعيفة السند؛ فإنّ يزيد بن خليفة واقفي لم يُوثّق، فلا يصحّ الاستدلال بها على شيء.
الثّاني: ما رواه الصفار عن الحسن بن علي بن عبد الله، عن الحسن بن علي بن فضّال، عن داود بن أبي يزيد، عن بعض أصحابنا، عن عمر بن حنظلة فقال: (قلت لأبي جعفر g: إنّي أظنُّ أنّ لي عندك منزلة. قال: أجل) الحديث(٤٥).
والجواب عنه ظاهر، فإنّ الرواية عن نفس عمر بن حنظلة، على أنّها ضعيفة ولا أقلّ من جهة الإرسال، مضافاً إلى أنّها لا تدلُّ على الوثاقة.
الثّالث: ما رواه محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن علي ابن الحكم، عن عمر بن حنظلة، عن أبي عبد الله g قال: (يا عمر، لا تحملوا على شيعتنا وارفقوا بهم، فإنّّ الناس لا يحتملون ما تحملون)(٤٦).
والجواب: أنّ ذلك شهادة من عمر بن حنظلة لنفسه، وهي غير مسموعة.
الرّابع: ما رواه محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن ابن سنان، عن محمّد بن مروان العجلي، عن علي بن حنظلة، قال: سمعت أبا عبد الله g يقول: (اعرفوا منازل الناس على قدر روايتهم عنّا)(٤٧).
وتقريب الرّواية: أنّ كثرة رواية شخص عن المعصومين i تدلُّ على عظمة مكانته. ومن الظاهر أنّ عمر بن حنظلة كثير الرواية.
والجواب: أنّ الرواية ضعيفة بسهل بن زياد وبابن سنان، فإنّه محمّد بن سنان بقرينة رواية سهل بن زياد عنه. ومحمّد بن مروان العجلي مجهول.
هذا مع أنّ كثرة الرواية إذا لم يعلم صدق الراوي لا تكشف عن عظمة الشخص بالضرورة.
الخامس: إنّ المشهور عملوا برواياته، ومن هنا سمّوا رواياته في الترجيح عند تعارض الخبرين بالمقبولة.
والجواب: أنّ الصغرى غير متحقّقة، وتسمية رواية واحدة من رواياته بالمقبولة لا تكشف عن قبول جميع رواياته. وعلى تقدير تسليم الصغرى فالكبرى غير مسلّمة، فإنّ عمل المشهور لا يكشف عن وثاقة الراوي، فلعلَّهُ من جهة البناء على أصالة العدالة من جمعٍ وتبعهم الآخرون.
السّادس: إنّ الأجلّاء كزرارة، وعبد الله بن مسكان، وصفوان بن يحيى، وأضرابهم قد رووا عنه.
والجواب عن ذلك: أنّ رواية الأجلّاء لا تدلّ على الوثاقة كما أوضحنا ذلك فيما تقدّم)(٤٨) (٤٩).
إلّا أنّ الذي يظهر من جوابه S عن الوجه الخامس من الوجوه المتقدّمة عدم ممانعته من تسمية الرواية محلّ البحث بالمقبولة، بل صرّح في مصابيح الأصول بصحّة سندها اكتفاءً بقبول الأصحاب لها، حيث قال: (وأمّا المقبولة فمن حيث سندها فالراوي لها عمر بن حنظلة، وهو لم يسمع عنه بمدح ولا بقدح في كتب الرجال، ولكن روايته قد قبلها الأصحاب وأخذوا بها، ويكفينا في صحّة السند قبول الأصحاب لها، ولذا سمّيت مقبولة)(٥٠).
مضافاً إلى أنّ مَنْ وافق الشهيد الثاني في توثيق مشايخ صفوان بن يحيى، كالسيّد الشهيد الصدر S وآخرين صحَّح سندها، بناءً على مختاره في توثيق من ينقل عنه أحد الثلاثة ـ أعني ابن أبي عمير والبزنطي وصفوان ـ وذلك باعتبار ما ورد في رواية يزيد بن خليفة. فهو (ظاهر في أنّ عمر بن حنظلة كان ثقة بطبعه عند الإمام g، إلّا أنّ يزيد بن خليفة نفسه مَنْ لا توجد شهادة بتوثيقه، وإنّما يمكن توثيقه بالقاعدة المذكورة، حيث قد روى عنه صفوان بن يحيى ـ وهو أحد الثلاثة ـ بسند معتبر في باب كفارة الصوم من الكافي، فتثبت بذلك وثاقته، وبروايته تثبت وثاقة عمر بن حنظلة أيضاً، فالمقبولة صحيحة سنداً)(٥١)، فتأمّل.
الجهة الثّانية: في تحديد مفادها:
فإنّ الرواية وإنْ وردت في مقام الترجيح في مورد القضاء والحكومة بين المتخاصمين ـ كما هو ظاهر صدرها ـ حيث يقول: (عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دَينٍ أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو القضاة...إلخ)، إلّا أنّ ورودها في هذا المورد لا يضر في دلالتها على الترجيح حتى في مقام الرواية، وذلك أنّ الإمامg بعد أنْ رجّح أحد الحَكمين على الآخر لكونه أعدل أو أفقه أو أصدق من صاحبه، وحكم بلزوم اتّباع حكمه، انتقل إلى مرتبة ثانية من الترجيح في حال تساويهما في تلك الصفات، فقال g: (ينظر إلى ما كان من رواياتهما عنّا في ذلك الذي ليس حكما به المجمع عليه عند أصحابك فيؤخذ به من حكمنا، ويترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك)، وهذه المرتبة من الترجيح إنّما هي ترجيح للمشهور على غير المشهور، لأنّنا ذكرنا سابقاً أنّ المقصود من المجمع عليه هو المشهور، بدليل فهم السائل ذلك، إذْ عقّبه بالسؤال (فإنْ كان الخبران عنكما مشهورين؟)، ولا معنى لأنْ يراد من الشهرة الإجماع.
وقد ذهب كلّ من المحقّق الأصفهاني(٥٢)، والسيّد الخوئي S(٥٣) إلى أنّ الشهرة ليست من المرجّحات لإحدى الحجّتين على الأخرى. بل هي من مميّزات الحجّة عن اللاحجّة، بتقريب أنّ شهرة الرواية في عصر الأئمّة g، وهو الذي عبَّر عنه g في المقبولة (بَيّن الرشد) يوجب كونه مقطوع الصدور، أو على الأقلّ يوجب كونه موثوقاً بصدوره، وإذا كان كذلك فالشاذّ المعارض له، وهو ما عبّرت عنه المقبولة (بيّن الغي أو المشكل)، إمّا مقطوع العدم أو موثوق بعدمه، فلا تشمله أدلّة حجّيّة الخبر، وعليه فيخرج اقتضاء الشهرة في الرواية عن مسألة ترجيح إحدى الحجّتين على الأخرى، بل تكون مميّزةً للحجّة عن اللاحجّة.
وقد أُجيب عن ذلك بجوابين:
الأوّل: إنّه بناءً على عدم اشتراط حصول الظنّ الفعلي بخبر الثقة، ولا عدم الظنّ بخلافه، فإنّ الشاذّ المقطوع العدم لا يدخل في مسألتنا قطعاً، وأمّا الموثوق بعدمه من جهة حصول الثقة الفعليّة بمعارضه فلا يضرّ ذلك في كونه مشمولاً لأدلّة حجّيّة الخبر، بناءً على القول بكفاية وثاقة الراوي في قبول خبره من دون إناطةٍ بالوثوق الفعلي بخبره.
الثّاني: إنّ الشهرة إذا لوحظت بالنسبة إلى الرواية بما هي حكاية عن حديث المعصوم، تكون ظاهرة في الشهرة الروائيّة المساوقة للتواتر والاستفاضة في النقل، وفي مثل هذه الحالة تسقط الرواية عن الحجّية في نفسها لمعارضتها مع دليلٍ قطعي، فلا يكون الأخذ بالمشهور من باب ترجيح إحدى الحجّتين على الأخرى، بل من باب تمييز الحجّة عن اللاحجّة. وهو ما خلص له السيّد الشهيد الصدر S، حيث قال: (والمقبولة وإنْ ورد فيها الترجيح بالصفات والشهرة، مضافاً إلى موافقة الكتاب ومخالفة العامّة، إلّا أنّه قد عرفت رجوع الأولى إلى الحَكَمَين لا الروايتين، وكون الثاني من باب تمييز الحجّة عن اللاحجّة)(٥٤).
أمّا إذا لوحظت الشهرة بالنسبة إلى الرواية بما هي رأي نُقل عن المعصوم، كانت ظاهرةً في الشهرة الفتوائيّة والعمليّة عند الفقهاء. وهو ما لم يستبعده السيّد الشهيد الصدر S(٥٥)، كونه هو الظاهر من مرفوعة زرارة اعتماداً على قرينتين تقدّم نقلهما عنه عند الحديث عن استفادة الترجيح بالشهرة الفتوائيّة من المرفوعة المذكورة.
الرّواية الثّانية: المعروفة بمرفوعة زرارة التي رواها ابن أبي جمهور الأحسائي في عوالي اللآلئ عن العلّامة مرفوعاً إلى زرارة، قال: (سألت أبا جعفر g فقلت له: جعلت فداك، يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان، فبأيهما آخذ؟ فقال: يا زرارة، خذ بما اشتهر بين أصحابك، ودع الشاذ النادر...)(٥٦).
والبحث عن هذه الرواية يقع أيضاً في جهتين:
الجهة الأولى: في سندها:
فعلى الرغم ممّا نقله السيّد الخوئي S عن الشيخ الحرّ في مدح المؤلِّف ـ في مواضع من تذكرة المتبحّرين، منها في رقم (٧٤٩) من أنّ محمّد ابن أبي جمهور الأحسائي، كان عالماً فاضلاً، راوية، له كتب منها عوالي اللآلئ، كتاب الأحاديث الفقهية على مذهب الإمامية، كتاب معين المعين، شرح الباب الحادي عشر، كتاب زاد المسافرين في أصول الدين، وله مناظرات مع المخالفين، كمناظرة الهروي، ورسالة في العمل بأخبار أصحابنا، وغير ذلك(٥٧)ـ إلّا أنّ المرفوعة المذكورة ضعيفة السند.
قال صاحب الكفاية S: (وأمّا المرفوعة فهي ضعيفة السند؛ لأنّ الراوي لها ابن أبي جمهور الأحسائي، وهو مطعون فيه)(٥٨).
وقد وصف السيّد الخوئي S ما قاله صاحب الكفاية S من ضعف سند المرفوعة بأنّه: (متين جداً؛ لأنّها رفعت عن العلّامة إلى زرارة عن الصادق g، فحذف جميع مَنْ في السلسلة ولم يذكر واحداً منهم، ومن المعلوم أنّ أولئك الذين في السلسلة لمّا كانوا غير معلومين كانت وثاقتهم وعدالتهم غير محرزة لدينا، فكيف نحكم بصحّة السند مع حذف الرواة، بل حتّى لو كان نفس العلّامة S قد رفعها عن زرارة فمع ذلك لا يـمكننا الأخـذ بها لـوجـود المـلاك والمـنـاط الـذي عـرفته هنا، مضافاً إلى ذلك أنّ العلّامة S بنفسه لم يذكرها في كتبه أصلاً، وإنّما ذكرها ابن أبي جمهور الأحسائي في كتابه المسمّى بعوالي اللآلئ، ورفعها عن العلّامة، فكان المنفرد بالنقل خاصّة هو ابن أبي جمهور،
ومن المعلوم أنّ هذا الرجل قد طعن فيه وفي كتابه من ليس دأبه ذلك، وهو صاحب الحدائق S الذي كان يتقبّل كلّ رواية إلّا روايات هذا الكتاب.
إذاً فما جاء به صاحب الكفاية S من ضعف سند المرفوعة متين وتامّ حسبما عرفت)(٥٩).
وما نسبه السيّد الخوئي S لصاحب الحدائق S من الطعن بابن أبي جمهور وكتابه دقيقٌ، حيث قال صاحب الحدائق S: (فإنـّا لم نقف عليها ـ يعني المرفوعة ـ في غير كتاب عوالي اللآلئ، مع ما هي عليه من الرفع والإرسال، وما عليه الكتاب من نسبة صاحبه إلى التساهل في نقل الأخبار، والإهمال، وخلط غثِّها بسمينها، وصحيحها بسقيمها)(٦٠).
الجهة الثّانية: في دلالتها:
فمع الإغماض عمّا تقدّم من ضعفها السندي، فإنّ قول الإمام g (خذ بما اشتهر بين أصحابك، ودع الشاذّ النادر) يدلّ على الترجيح بالشهرة كسابقتها، مع فارق وحيد بينهما هو تحديد مرتبة كلّ من المرجّحين، وكونه مقدّماً على الآخر أو مؤخّراً عنه، فالترجيح بالشهرة مقدّمٌ على الترجيح بالصفات في المرفوعة، ومؤخّرٌ عنه في المقبولة من هذه الناحية، فهنا احتمالان:
الأوّل: إمكان الجمع العرفي بين مدلولي الروايتين، وهو ما مال إليه السيد الشهيد الصدر S، حيث قال: (يمكن أنْ يُدَّعى وجود جمعٍ عرفي بينهما)(٦١)، حيث افترض إمكان أربع حالاتٍ في دليلي الترجيح المختلفين:
الحالة الأولى: اقتصار كلٍّ من الدليلين على مرجّحٍ غير ما تكفّله الآخر، كما إذا جاء في أحدهما (خُذ بالمشهور)، وورد في الآخر (خُذ بما يرويه أعدلهما).
الحالة الثّانية: اقتصار أحدهما على مرجّح ويذكر الآخر مرجّحين، أولهما غير ما ذكر في الأوّل، كما إذا جاء في أحدهما (خذ بالمشهور) وورد في الآخر (خذ بما يرويه الأعدل، وإنْ لم يكن فبالمشهور).
الحالة الثّالثة: الحالة السابقة عينها مع افتراض ذِكر دليل الترجيح الثاني في المرجّح المذكور في الأوّل أوَّلاً أيضاً.
الحالة الرّابعة: أن يذكر كلٌّ من الدليلين كلا المرجّحين مع التعاكس في الترتيب كما هو الحال في المرفوعة والمقبولة.
فإنْ قيل باستحكام التعارض فإنّما يقال به في الحالة الأولى بالخصوص التي تكون المعارضة بنحو العموم من وجه، لا الحالات الثلاث الأخرى؛ إذ في الحالة الثانية يكون دليل الترجيح المشتمل على مرجّحين أخصّ مطلقاً من دليل الترجيح الآخر فيتقيّد به. وفي الحالة الثالثة لا تعارض بينها أصلاً؛ لأنّ الدليل المشتمل على المرجّح الأوّل فقط ساكت عن وجود ترجيح آخر طولي ولا ينفيه. وفي الحالة الرابعة يكون لكلٍّ من دليلي المرجّحين المتعاكسين ظهوران، ظهور إطلاقي يقتضي تقدّم المرجّح المذكور فيه أوّلاً على المذكور فيه ثانياً؛ لأنّه مقتضى إطلاق الترجيح به حتى إذا كان المرجّح الثاني ثابتاً في المعارض الآخر، وظهور عرفي صريح في أنّ المرجّح المذكور فيه أوّلاً ليس متأخّراً رتبةً عن المذكور فيه ثانياً، بل إمّا مقّدم عليه أو في عرضه على الأقل وإلّا لما قُدّم عليه في التسلسل الترجيحي. وهذا الظهور أقوى من الإطلاق وأظهر، والتعارض بين دليل الترجيح بحسب الحقيقة واقع بين الظهور الإطلاقي لأحدهما مع هذا الظهور العرفي الصريح من الآخر فيرفع اليد عن الإطلاق بالظهور الصريح بقانون حمل الظاهر على الأظهر المتقدّم في أقسام الجمع العرفي، فينتج عرضية المرجّحين معاً، وإعمال هذا الجمع واضح جداً إذا فرضنا مجيء الترتيب بين المرجّحين في كلام الإمام g ابتداءً.
وأمّا إذا افترضنا انتزاع الترتيب من كلام الإمام g عن طريق الترتيب الوارد في سؤال الراوي بعد فرضه تساويهما في المرجّح الأوّل كما هو الحال في المقبولة والمرفوعة، فقد لا يكون الجمع المذكور واضحاً؛ إذ لعلَّ الإمام g في جوابه على السؤال الأوّل أجاب بالمرجّح الثاني؛ إذ لا بأس بذلك، لذا لا تضايق من أن يقتصر الإمام على ذكر المرجّح الثاني فقط ـ كما في الحالة الثانية من الحالات الأربع ـ إلّا أنّه مع ذلك يقال: إنّ ظاهر كلام الإمام g أنّ المرجّح الثاني على الأقلّ ليس مقدّماً على الأوّل؛ إذ لو كان مقدّماً عليه كان ما ذكره أوّلاً مقيّداً لبّاً بعدم المرجّح الثاني، وهذا القيد غير مأخوذ في الكلام الثاني، فلا يكون الجوابان منصبّين على موضوع واحد مع أنّ ظاهرهما ذلك، فهذا من قبيل أنْ يقول الإمام في الجواب عن المتعارضين (خذ بأشهر الحديثين المتساويين في صفات الراويين لهما، قال: فإنْ كانا متساويين في الشهرة، قال: خذ بقول أصدقهما)، فالترتيب العكسي ليس محذوره مجرّد تقييد الإطلاق بل إضافةً إلى ذلك يلزم ورود الكلامين على موضوعين، وهذه مخالفة لظهور أقوى من الإطلاق.
وإنْ شئت قلت: إنّ الكلام الثاني قرينة على أنّ موضوع كلامه الأوّل قابل لأن يفرض في أحدهما أصدق والآخر غير أصدق، وهذا لا يتلاءم مع الترتيب العكسي، فيقيّد إطلاق كلٍّ من المرجّحين المتعاكسين بهذا الظهور في دليل الترجيح الآخر وتثبت عرضيتهما في النتيجة.
لا يقال: بناءً على العرضيّة أيضاً يكون موضوع الحكم بالترجيح بالمزيّة الأولى مقيّداً بعدم اتّصاف معارضه بالمزيّة الثانية.
فإنّه يقال: عند عرضيّة المرجّحين يكون الموضوع ذات الخبرين، فيكون الجوابان واردين على موضوع واحد، والفرق هو أنّ المرجّح الثاني بناءً على الترتيب العكسي يرفع شأنيّة الترجيح بالمرجّح الأوّل. وأمّا بناءً على العرضيّة فإنّما لا يمكن فعليّة الترجيح للتعارض وإلّا فمقتضي الترجيح فيهما معاً تامّ.
الاحتمال الثّاني: عدم إمكان الجمع العرفي، أي أنّ التعارض بين إطلاقي الروايتين تعارض مستقر، فقد ذكر الشيخ الأعظم Sأنّه يمكن العمل بالمقبولة بحكم المرفوعة نفسها التي تقضي بتقديم المشهور على الشاذّ، والمقبولة مشهورة بخلاف المرفوعة التي لم تُنقل إلّا من عوالي اللآلئ مرفوعةً إلى زرارة(٦٢).
واعترض عليه المحقّق الأصفهاني S بأنّ هذا مستحيل؛ إذ يلزم منه سقوط المرفوعة عن الحجّيّة، وكلّ ما يلزم من وجودِه عدمُه يكون محالاً(٦٣).
وهو ما وصفهُ السيّد الشهيد الصدر S بغير الوارد؛ لأنّ المقبولة والمرفوعة تتضمّنان إطلاقات طوليّة متعارضة، منها:
أوّلاً: تعارض إطلاقهما للخبرين المتعارضين الدالّ أحدهما ـ مثلاً ـ على وجوب السورة والآخر على عدم وجوبها؛ حيث إنّ المقبولة تُرجِّح الأصدق منهما، والمرفوعة ترجِّح المشهور.
وثانياً: تعارض إطلاقيَ المقبولة والمرفوعة لهذا المورد، يتولَّد من المعارضة الأولى؛ فإنّه أيضاً مصداق للتعارض بين حديثين تعالجُه المقبولة والمرفوعة فيُقدَّم الأصدق بحكم المقبولة، والأشهر بحكم المرفوعة، وفي هذه المرتبة أيضاً تتشكّل معارضة جديدة هي فرد ثالث لحكم المقبولة والمرفوعة، وهكذا. وهذا يعني أنّ المحذور في تقديم المقبولة على المرفوعة أنّه في أيّ مرتبةٍ من هذه المراتب الطولية للتعارض لو أعملنا المرفوعة في مقام الترجيح كان جزافاً، لا أنّه يلزم من وجودِه عدمُه ـ كما ادَّعى ذلك المحقّق الأصفهاني ـ فإنّ التقديم في أيّ مرتبةٍ إنّما يسقط في المرتبة السابقة عليها لا في نفس تلك المرتبة(٦٤).
وللسيّد الشهيد الصدر S تحقيق رائع في المقام، حاصله(٦٥):
أنَّ المرجّحات الواردة في هذه الأخبار: إمّا أن تكون مخصوصة بالتعارض السندي أو الدلالي. وعلى الأوّل لا معنى لترجيح المقبولة على المرفوعة بكونها مشهورة.
وعلى الثاني فيتعارضان في خصوص ما إذا كان أحدهما واجداً للصفات والآخر مشهوراً، بناءً على عدم سريان التعارض الدلالي، وأنَّ التعارض بين المقبولة والمرفوعة في هذه المادّة إنّما هو من قبيل العموم من وجه(٦٦).
وإنْ بنينا على شمول الترجيح بالمرجّحات المنصوصة للعامّين من وجه فينفتح مجال لدعوى الشيخ الأعظم S بترجيح المقبولة على المرفوعة بالشهرة، عملاً بالمرفوعة
نفسها.
إلّا أنّه S ذهب إلى أنّ الصحيح هو التفصيل بين صورتين حينئذٍ:
الأولى: افتراض كون المقبولة مشهورةً من دون أن يكون الراوي في المرفوعة واجداً لمزيّةٍ صفتيّة، وفي هذه الصورة لا بُدّ من الحكم بتقديم المقبولة في مادّة التعارض؛ لأنّ هذه الحالة داخلة في مادّة الافتراق للمرفوعة، فلا موجب لرفع اليد عنها، وهذا معناه أنّ المرفوعة تدلّ بمادّة افتراقها على العمل بالمقبولة في مادّة التعارض بينهما، وبالتالي تكون المرفوعة بإطلاقها في مادّة الافتراق لهذا المورد من موارد التعارض قد خصّصت مادّة اجتماعها مع المقبولة، فلم يلزم من وجود شيء واحد عدمه، كما لا يلزم من إسقاط مادّة اجتماعها تخصيصها بالفرد النادر؛ لبقاء موارد الافتراق التي لا مبرر لفرض ندرتها.
الثّانية: افتراض أرجحيّة المرفوعة على المقبولة من حيث صفات الراوي وإنْ كانت المقبولة أشهر، وفي هذه الحالة لا يتمّ ما أفاده الشيخ الأعظم S؛ لأنّ ترجيح المقبولة على المرفوعة بالشهرة عملاً بالمرفوعة ليس بأولى من ترجيح المرفوعة على المقبولة عملاً بالمقبولة.
وبعبارة أخرى: إنّ المرفوعة في أيّ مرتبة يتمسّك بها تكون مبتلاة في هذه الصورة بالمعارضة مع المقبولة في تلك المرتبة.
هذا كلُّه فيما إذا فرضنا رجوع الترجيح بالصفات في المقبولة إلى الروايتين لا إلى الحاكمين. أمّا إذا فرضنا عدم رجوع الترجيح بالصفات في المقبولة إلى الروايتين، وإنّما هو راجع للحاكمين، فيكون أوَّل المرجّحات حينئذٍ في كلٍّ من المقبولة والمرفوعة هو الشهرة، وآخرها مخالفة العامّة، فإنّه يقع التعارض بينهما من ناحتين:
الأولى: المعارضة بالعموم من وجه بين نفس المرجّحين المتوسّطين، وهما مخالفة العامّة والشهرة، حيث يكون مقتضى إطلاق كلٍّ منهما تقدّمه على الآخر، وتكون هذه المعارضة من الحالة الأولى من حالات الاختلاف بين دليلي الترجيح الأربعة، وهي أن يقتصر كلٌّ منهما على مرجِّحٍ غير ما تكفَّلهُ الآخر.
وحُكم هذه المعارضة التساقط في مورد اجتماع المرجحين المتعارضين بالعموم من وجه، وبالتالي عدم تقدّم شيء منهما على الآخر.
الثّانية: المعارضة بلحاظ مورد افتراق كلٍّ من المُرجّحين، فلو كان أحدهما موافقاً للكتاب ـ مثلاً ـ وليس راوي الآخر أصدق، دلّت المقبولة حينئذٍ على ترجيح الموافق للكتاب، بينما تحكم المرفوعة بلزوم الانتقال إلى المرجّح الثالث، لأنّهما متساويان في الصفات، وتكون هذه المعارضة من الحالة الثانية من حالات الاختلاف بين دليلي الترجيح الأربعة، وهي اقتصار أحدهما على مُرجِّحٍ واحد ويذكر الآخر مُرجّحين.
وحُكم هذه المعارضة هو التخصيص وتقييد إطلاق المرجّح الثالث بما إذا لم يكن يوجد المرجّح الثاني، أي أنّ كلّا ً من المقبولة والمرفوعة كالصريح في الدلالة على أنّ المرجّح الثالث في طول ما اختصّت به من المرجّح الثاني، ومقتضى الجمع بين هاتين الصراحتين تعذُّر تقديم المرجّح الثالث على أي واحدٍ من المرجّحين المتعارضين بالعموم من وجه(٦٧).
لا يقال: إنّ المقبولة لا تدلُّ على عدم مرجّحية الصفات كي تعارض بالعموم من وجه مع المرفوعة؛ لأنّها بيّنت الترجيح بموافقة الكتاب في موردٍ فرغ فيه عن تساوي الراويين ـ وهما الحاكمان ـ في الصفات، فلا ينعقد فيها إطلاق لحال فقدان أحدهما للصفة الترجيحيّة حتى يدلّ على عدم مرجّحيّة الصفات.
فإنّه يقال: قد تقدّم أنّ مرجّحيّة الصفات لا بُدّ من لحاظها في الراويين المباشرين لسماع الحديث من المعصوم، أو في كلّ طبقات السند على تقدير التنزّل، وهذا لم يُفرَض في المقبولة(٦٨).
الرّواية الثّالثة: رواية الطبرسي التي ورد فيها (وروي عنهم i أنّهم قالوا (إذا اختلفت أحاديثنا عليكم فخذوا بما اجتمعت عليه شيعتنا، فإنّه لا ريب فيه)(٦٩).
ومع قطع النظر عن ضعف هذه الرواية لكونها مرسلةً، ففي تعيين المراد من اجتماع الشيعة الوارد فيها ثلاثة احتمالات:
الأوّل: أن يراد به الاجتماع في الرواية، وهو مساوق للتواتر، فلا إشكال حينئذ في لزوم الأخذ به وطرح الخبر المعارض له.
الثّاني: أن يراد به اجتماعهم عليه في العمل والفتوى، فتكون نتيجته الترجيح بالشهرة الفتوائيّة.
الثالث: أن يراد به إجماع فقهائهم، بدعوى ظهور الاجتماع في الاتّفاق، فلا إشكال حينئذٍ أيضاً في الأخذ به، وطرح الخبر المعارض له.
ولم يستبعد السيّد الشهيد الصدر S ظهورها في الثاني (باعتبار إضافة الاجتماع فيها إلى الشيعة، لا إلى الرواة بالخصوص، ممّا يناسب أن يكون المراد منه الاجتماع في الرأي والعمل)(٧٠).
بقي الكلام في أنّ المرجّحات (الخمس المُدَّعى أنّها قد نُصَّ عليها، أو الأقلّ منها، على الخلاف في اعتبار بعضها مرجّحاً أوْ لا) هل هي مترتّبة فيما بينها عند استقرار التعارض، أو أنّها في عرَضٍ واحد؟
وهو ما يحتاج إلى تقديم مقدّمتين:
المقدّمة الأولى:
أنّ المرجّحات ـ في جملتها ـ ترجع إلى ثلاث نواحٍ لا تخرج عنها:
الأولى: ما تجعل احتمال صدور أحد الخبرين عن المعصوم أقرب من احتمال صدور الآخر، وهو ما يُسمّى بالمرجّح الصدوري، كالشهرة، وصفات الراوي بناءً على كونه من المرجّحات(٧١).
الثّانية: ما تجعل صدور الخبر ـ المعلوم حقيقةً أو تعبّداً ـ إنّما يكون لبيان الحكم الواقعي، لا لبيان خلافهِ ـ من تقيّةٍ ونحوها من مصالح إظهار خلاف الواقع ـ ، وذلك مثل ما إذا كان الخبر مخالفاً للعامّة، فإنّه يُرجّح في مورد معارضته بخبرٍ آخر موافقٍ لهم؛ لأنّ صدوره كان لبيان الحكم الواقعي؛ لأنّه لا يحتمل فيه إظهار خلاف الواقع بخـلاف الآخر، ويسمّى هذا المرجّح بالمرجّح الجهتي، ومنه كون أحـد الخبرين أحـدث زماناً
ـ على القول بأنّه مرجّح من مرجّحات باب التعارض ـ اعتماداً على مجموعة روايات(٧٢):
منها: ما رواه الكليني S عن الحسين بن المختار، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله g: (أرأيتك لو حدّثتك بحديثٍ العامَ ثُمَّ جئتني من قابلٍ فحدّثتك بخلافه، بأيِّهما كنتَ تأخذ؟ قال: قلت: كنت آخذ بالأخير، فقال لي: رحمك الله)(٧٣).
إلّا أنّ المحقّق الأصفهاني S استظهر أنّ هذه الروايات لا شاهد فيها على ما نحن فيه(٧٤) ـ حتى مع الإغماض عن الملاحظات السندية الواضحة مثل الإرسال الواقع في رواية الحسين بن المختار المتقدّمة ـ أي أنّها لا تدلّ على ترجيح الأحدث من البيانين كقاعدة عامّة بالنسبة إلى كلّ مكلّف وبالنسبة إلى جميع العصور؛ لأنّها لا تدلّ على ذلك إلّا إذا فُهم منها أنّ الأحدث هو الحكم الواقعي، وأنّ الأوّل واقع موقع التقية أو نحوها، مع أنّه لا يفهم منها أكثر من أنّ مَنْ أُلقي إليه البيان خاصّة حكمه الفعلي ما تضمّنه البيان الأخير، وليست ناظرةً إلى أنّه الحكم الواقعي، فلربّما كان حكماً ظاهرياً بالنسبة إليه من باب التقية، كما أنّها ليست ناظرةً إلى أنّ هذا الحكم الفعلي هو حكم كلّ أحد وفي كلِّ زمان.
وذهب إلى ذلك أيضاً جماعة منهم السيّد الشهيد الصدر S، من أنّ (الصحيح عدم صحة الترجيح بالأحدثية)(٧٥)، وأنّ مفاد هذه الطائفة من الروايات أمر آخر.
أمّا عدم صحّة الترجيح بالأحدثيّة؛ فلأنّ (الترجيح بالأحدثيّة حكم تعبّدي بحت، لا يطابق القواعد العقلائيّة المرتكزة في باب الطريقيّة فلا محالة يقتصر فيه على مورد النصّ بعد أن لم يكن فيه إطلاق لفظي، فإنّ كلمات الأئمّة i تنظر جميعاً إلى وقت واحد وتكشف عن حكم شُرّع في صدر الإسلام فلا أثر لمجرّد كون أحد الخبرين أحدث من الآخر صدوراً في الكاشفيّة والطريقيّة التي هي ملاك الحجّيّة والاعتبار، ومورد هذه الطائفة يتضمّن خصوصيتين:
أُولاهما: كون الحديثين قطعيين سنداً ومسموعين عن الإمام g مباشرةً، فلا يمكن التعدّي منهما إلى الظنّيّين؛ لاحتمال دخل القطع بالصدور في هذا الحكم؛ إذ ليس حكماً واقعيّاً حتى يكون ظاهرُ أخذِ قيد القطع في لسان دليله كونه طريقاً إلى الواقع المقطوع به، بل هو حكم ظاهري تعبّدي يُعقل أن يكون للشكّ واليقين دخل فيه.
وثانيتهما: معاصرة السامع للحديث الأحدث وحضوره في مجلس الصدور؛ لأنّ المفروض فيها ذلك بمقتضى قوله g (ثُمَّ جئتني من قابل فحدَّثتك بخلافه) فلعلَّ لهذه الخصوصيّة دخلاً في الحكم المذكور أيضاً.
وهذه الخصوصيّة بنفسها يمكن إبرازها أيضاً في رواية معلّى بن خنيس، (قال: قلت لأبي عبد الله g: إذا جاء حديث عن أوّلكم وحديث عن آخركم بأيّهما نأخذ؟ فقال: خذوا به حتى يبلغكم عن الحيّ فإن بلغكم عن الحيّ فخذوا بقوله).
فإنّ الرواية قد لا يتّجه في حقّها احتمال اختصاصها بمعلومي الصدور؛ لأنّه قد عُبّر فيها بمجيء الحديث الذي قد يدّعى إطلاقه للأخبار الآحاد، إلّا أنّ الخصوصية الثانية واضحة في موردها، مضافاً إلى ضعف سندها)(٧٦).
وأمّا كون مفاد هذه الطائفة أمراً آخر فتوضيح ذلك:
(أنّ الحديث الأحدث المسموع من الإمام g فيه ظهوران. أحدهما: الظهور في كونه بصدد بيان الحكم الواقعي العام. والثاني: ظهوره في بيان وظيفة السامـع الفعليّة التي قد تكون واقعيّةً، وقد تكون لظـروف التقية ـ كما في قصة علي بن يقطين مع الإمام موسى بن جعفر g ـ والظاهر أنّ المقصود من الأخذ بالأحدث في هذه الروايات ملاحظة الظهور الثاني في حقّ السامع، والتأكيد على لزوم اتباعه على كلّ حال، لا ترجيح الأحدث بلحاظ ظهوره الأوّل الكاشف عن الحكم الواقعي العام.
وممّا يشهد لهذا الفهم ـ مضافاً إلى كون الأحدثيّة لا تتضمّن أيّة مناسبة عقلائيّة للترجيح في باب الحجّيّة فمن المستبعد جداً افتراض دخلها شرعاً في هذا الباب ـ التفات السائل لهذا الترجيح بنفسه، حيث أجاب على سؤال الإمام بأنّه يأخذ بالأحدث، ممّا يعني أنّ هذا المعنى كان واضحاً مركوزاً لدى العرف، وذلك لا يكون إلّا بالاعتبار الذي أوضحناه.
وأيضاً ممّا يعزّز هذا الفهم ما ورد في ذيل رواية الكناني من قوله g: (أبى الله إلّا أنْ يُعبد سراً، أما والله لئن فعلتم ذلك إنّه لخير لي ولكم، وأبى الله a لنا ولكم في دينه إلّا التقيّة). وهذا صريح في أنّ نظر الإمام g ـ على تقدير صدور الحديث ـ إلى ما هو وظيفة السامع بالفعل ولو من أجل التقية.
وأخيراً يمكننا أن نستظهر هذا المعنى من هذه الروايات وما افتُرض فيها من سماع المكلف بنفسه الحديث المخالف لما كان يعرفه من رأي الامامg سابقاً، الذي يعني قطعية الحديثين سنداً ودلالةً المستدعي حصول القطع عرفاً بأنّ ما وافق منهما العامّة إنّما صدر مراعاةً لظروف التقية المُعاشة وقتئذٍ، فيكون مساقها مساق روايات أخرى وردت بهذا الشأن، من قبيل رواية أبي عبيدة عن أبي جعفر g قال: (قال لي: يا زياد، ما تقول لو أفتينا رجلاً ممن يتولّانا بشيء من التقية؟ قال: قلت له: أنت أعلم جُعلت فداك، قال: إن أخذ به فهو خير له وأعظم أجراً، قال: وفي رواية اخرى: إن أخذ به أُجر، وإن تركه والله أُثم).
وما عن الخثعمي قال: (سمعت أبا عبد الله g يقول: من عرف أنّا لا نقول إلّا حقّاً فليكتفِ بما يعلم منّا، فإن سمع منّا خلاف ما يعلم فليعلم أنّ ذلك دفاع منّا عنه).
فالصحيح عدم صحّة الترجيح بالأحدثيّة)(٧٧).
الثّالثة: ما يكون مضمون الخبر أقرب إلى الواقع في النظر، ويسمّى بالمرجّح المضموني، مثل موافقة الكتاب والسُنّة.
المقدّمة الثّانية:
قـد أشرنا فيما تقدّم إلى وقوع الخلاف في وجوب الاقتصار على المرجّحات المخصوصة المنصوصة، أو التعدّي عنها إلى غيرها، على قولين رئيسين(٧٨):
الأوّل: وجوب التعدِّي إلى كلِّ ما يوجب الأقربيّة إلى الواقع نوعاً(٧٩)، وهو قول الشيخ الأعظم S في فرائد الأصول(٨٠)، ووصفه العلّامة المظفر S بأنّه القول المشهور.
الثّاني: وجوب الاقتصار على المرجّحات المنصوصة، وهو الذي يظهر من كلام الشيخ الكليني في مقدّمة الكافي(٨١)، ومال إليه صاحب الكفاية S(٨٢)، وهو لازم طريقة
الأخباريين في الاقتصار على نصوص الأخبار والجمود عليها.
وقد اُستدلّ لكلٍّ من القولين بأدلّة كثيرة.
أمّا أدلّة القول بوجوب التعدّي فأهمّها أربعة:
أوّلها: أنّ من جملة المرجّحات المنصوصة الأصدقيّة الواردة في المقبولة، والأوثقيّة الواردة في المرفوعة، ونحوهما كالأعدليّة والأورعيّة، لما فيه من الدلالة على أنّ المناط في الترجيح بها هو كونها موجبة للأقربيّة إلى الواقع، لا جهة موضوعيّتها، وإذا كان هذا هو المناط في أخذها فلا بُدّ من التعدّي عنه لكلِّ ما يتحقّق معه القرب إلى الواقع لتحقّق المناط فيه(٨٣).
ثانيها: أنّ التعليل الوارد وجهاً لتقديم الرواية المشهورة على غير المشهورة هو كون المشهور ممّا لا ريب فيه. وعليه فلا بُدّ من استظهار أنّ العلّة هي عدم الريب فيه بالإضافة إلى الخبر الآخر، لا نفي الريب حقيقةً، فالمشهور لكونه أقلّ ريباً يترجّح على غيره، ولو كان فيه ألف ريب، وإذا كان الأمر كذلك فلا بُدّ من التعدّي لكلّ ما كان الريب فيه أقلّ(٨٤).
ثالثها: أنّ التعليل الوارد لترجيح ما خالف العامّة هو كون الرشد في خلافهم؛ لأنّه أقرب إلى الواقع؛ لوضوح مخالفة أحكامهم للواقع، فهذا التعليل يدلّ على أنّ المناط في الترجيح هو القرب إلى الواقع. وعليه فلا بُدّ من التعدّي لكلّ مزيّة توجب القرب إلى الواقع لتحقّق المناط فيه(٨٥).
رابعها: بناء العقلاء على العمل بكلِّ ما هو أقرب إلى الواقع من الخبرين المتعارضين، أي أنّ العقلاء وأهل العرف في مورد التعارض بين الخبرين غير المتكافئين لا يتوقّفون في العمل بما هو أقرب إلى الواقع في نظرهم، ولا يبقون في حيرة من ذلك، وإن كانوا يعملون بالخبر الآخر المرجوح لو بقي وحده بلا معارض، وإذا كان للعقلاء مثل هذا البناء العملي فإنّه يستكشف منه رضا الشارع وإمضاؤه(٨٦).
ويؤيّد ذلك ما حكي عن العلاّمة الحلي S في النهاية من دعوى الإجماع من الصحابة على ذلك في جميع الموارد، حيث قدّموا ما ورد من أنّه: (إذا التقى ختانان فقد وجب الغسل) على خبر أبي هريرة: (إنّما الماء من الماء)، ومثل ما قدّموا خبر أبي هريرة (من أصبح جنباً فلا صوم له) على خبر عائشة: (إنّ النبي e كان يصبح جنباً وهو صائم)، ونحو ذلك من تقديم بعض الأخبار على بعض(٨٧).
بل ادّعى صاحب مفاتيح الأصول(٨٨) الإجماع على وجوب الترجيح لعدم المخالف منّا، إلّا ما حكي عن خروج من لا يضرّ خروجه في تحقّق الإجماع، ألا ترى أنّ القوم قدّموا الخبر المروي في الكتب الأربعة على الخبر المنقول في غيرها، وقدّموا رواية الكليني في الكافي على رواية الشيخ S وغيره؛ لكون الكليني أضبط، وقدّموا خبر من لا يحضره الفقيه لالتزام الصدوق S فيه بأنّه لا يروي إلّا عن ثقة، وأنّه يعمل به ويفتي بمضمونه، وهذه كلّها من المرجّحات غير المنصوصة.
وقد أجاب صاحب الكفاية عن الأدلة الثلاثة الأُوَل بقوله: (ولا يخفى ما في الاستدلال بها:
أمّا الأوَّل فإنّ جعل خصوص شيء فيه جهة الإراءة والطريقيّة حجّةً أو مرجّحاً لا دلالة فيه على أنّ الملاك فيه بتمامه جهة إراءته، بل لا إشعار فيه كما لا يخفى، لاحتمال دخل خصوصيّته في مرجّحيّته أو حجّيته، لاسيّما قد ذكر فيها ما لا يحتمل الترجيح به إلّا تعبّداً، فافهم.
وأمّا الثّاني فلتوقّفه على عدم كون الرواية المشهورة في نفسها ممّا لاريب فيها، مع أنّ الشهرة في الصدر الأوَّل بين الرواة وأصحاب الأئمة i موجبة لكون الرواية ممّا يُطمأن بصدورها، بحيث يصح أن يقال عرفاً: إنّها ممّا لا ريب فيها، كما لا يخفى.
ولا بأس بالتعدّي منه إلى مثله ممّا يوجب الوثوق والاطمئنان بالصدور، لا إلى كلِّ مزيةٍ ولو لم يوجب إلّا أقربيّة ذي المزية إلى الواقع من المعارض الفاقد لها.
وأمّا الثّالث فلاحتمال أن يكون الرشد في نفس المخالفة لحسنها. ولو سُلّم أنّه لغلبة الحقّ في طرف الخبر المخالف، فلا شبهة في حصول الوثوق بأنَّ الخبر الموافق المعارَض بالمخالف لا يخلو من الخلل صدوراً أو جهةً، ولا بأس بالتعدّي منه إلى مثله)(٨٩).
وأمّا جواب الدّليل الرّابع فإنّ المعلوم هو تباني العقلاء على إسقاط حجّيّة الخبرين المتعارضين معاً، مع قطع النظر عن أقربيّة أحدهما إلى الواقع، وما يظهر من عمل العقلاء بما هو أقرب للواقع فهو من باب تحرّي الواقع، لا من باب المعذّريّة والمنجّزيّة، فتأمّل.
وأمّا دعوى الإجماع من قبل الصحابة ـ فضلاً عن سيرتهم على ترجيح الأقرب ـ فغير مسلّمة، لعدم وجود دليلٍ يدلّ على أنّه لم يكن اجتهاداً من المذكورين أو استحساناً شخصيّاً، وكيفما كان فهو لا يكشف عن قول المعصوم g.
وأمّا الإجماع المدّعى من أمثال صاحب المفاتيح S، فهو منقوض بمخالفة مثل المحقّق القمي، والشيخ الكليني S في مقدّمة الكافي، وصاحب الكفاية S والأخباريين كلّهم، كما تقدّم بيانه.
مضافاً إلى أنّ الإجماع المدّعى ـ على فرضه ـ مدركيٌّ، لا يكشف عن قول المعصوم g لا حسّاً ولا حدساً صحيحاً.
ولا يخفى أنّ مقتضى القاعدة الأوّليّة في المتعارضين ـ على ما ذهب إليه المشهور ـ هو التساقط ولا يخرج عن هذه القاعدة إلّا بمقتضى ما دلّت عليه الأخبار العلاجيّة، وهي لم تدلّ إلّا على الترجيح بالمرجّحات المنصوصة، وعليه فلا مجال للخروج عن القاعدة الأوّليّة ـ وهي التساقط ـ حتى مع وجود مرجّحات غير منصوصة.
نعم، هنالك أخبار استفاضت بل تواترت في عدم التساقط، غير أنّ آراء الفقهاء اختلفت في استفادة نوع الحكم منها، لاختلافها على ثلاثة أقوال:
الأوّل: التخيير في الأخذ بأحدهما، وهو مختار المشهور بل نُقل الإجماع عليه.
الثّاني: التوقّف بما يرجع إلى الاحتياط في العمل، ولو كان الاحتياط مخالفاً لهما كالجمع بين القصر والإتمام في مورد تعارض الأدلّة بالنسبة إليهما.
وإنّما كان التوقّف راجعاً إلى الاحتياط، لأنّ التوقّف يراد منه التوقّف في الفتوى على طبق أحدهما، وهذا يستلزم الاحتياط في العمل، كما في المورد الفاقد للنصّ مع العلم الإجمالي بالحكم.
الثّالث: وجوب الأخذ بما طابق منهما الاحتياط، فإن لم يكن فيهما ما يطابق الاحتياط تخيّر بينهما.
وللنظر في هذه الأخبار لاستظهار الأصحّ من الأقوال محلّ آخر.
وإذا اتّضحت هاتان المقدّمتان، فاعلم أنّه قد وقع الخلاف في أنّ هذه المرجّحات (الصدوريّة والجهتيّة والمضمونيّة) هل هي مترتّبة عند التعارض بينها، أم أنّها في عرض واحد؟ قولان:
أوّلهما: أنّها مترتّبة، وفيه أقوال أيضاً:
الأوّل: أنّ المرجّح الجهتي مقدّم على سائر المرجّحات، فالمخالف للعامّة أولى بالتقديم من الموافق لهم وإن كان مشهوراً، وهو ما نسبه صاحب الكفاية S للوحيد البهبهاني S، ولمنْ عبَّر عنه ببعض أعاظم المعاصرين، ويعني به المحقّق الرشتي صاحب البدائع، ووصفه بالمبالغة فيه، حيث قال: (وانقدح بذلك أنّ حال المرجّح الجهتي حال سائر المرجّحات في أنّه لا بُدّ في صورة مزاحمته مع بعضها من ملاحظة أنّ أيّهما فعلاً موجب للظنّ بصدق ذيه بمضمونه، أو الأقربيّة كذلك إلى الواقع، فيوجب ترجيحه وطرح الآخر، أو أنّه لا مزيّة لأحدهما على الآخر، كما إذا كان الخبر الموافق للتقية بما له من المزيّة مساوياً للخبر المخالف لها بحسب المناطين، فلا بُدّ حينئذٍ من التخيير بين الخبرين، فلا وجه لتقديمه على غيره، كما عن الوحيد البهبهاني S وبالغ فيه بعض أعاظم المعاصرين أعلى الله درجته)(٩٠).
الثّاني: أنّ المرجّح المضموني مقدّم على المرجّح الصدوري، والمرجّح الصدوري مقدّم على المرجّح الجهتي. وهو ما ذهب إليه الشيخ الأعظم S(٩١).
الثّالث: لزوم الترتيب وفق الوارد في روايات الترجيح، بأن يقدّم ـ مثلاً حسبما يظهر من المقبولة ـ المشهور، فإن تساويا في الشهرة قُدّم الموافق للكتاب والسُنّة، فإن تساويا في ذلك قدّم ما يخالف العامّة (٩٢).
الرّابع: تقديم المرجّح الصدوري على المرجح الجهتي، وتقديم المرجّح الجهتي على المضموني، فيقدّم المشهور الموافق للعامّة ـ مثلاً ـ على الشاذّ المخالف لهم. وهذا هو ما ذهب إليه المحقّق النائيني S اعتماداً على توقّف التعبّد بالمضمون على التعبّد بجهة الصدور، والأخير يتوقّف على التعبّد بالصدور، والمتوقَّف عليه يقدّم على المتوقِّف، قال S في الفوائد: (إنّ التعبّد بجهة الصدور فرع التعبّد بالصدور والظهور، كما أنّ التعبّد بكون المضمون تمام المراد فرع التعبّد بجهة الصدور، بداهة أنّه لا بُدَّ من فرض صدور الخبر لبيان حكم الله الواقعي حتّى يتعبّد بكون مضمونه تمام المراد، لا جزءه... وعلى كلّ حال، لا إشكال في أنّ التعبّد بجهة الصدور يتوقّف على التعبّد بالصدور، والتعبّد بالمضمون يتوقّف على التعبّد بجهة الصدور، ولازم ذلك هو تقديم المرجّح الصدوري على المرجّح الجهتي عند التعارض بينهما، كما هو ظاهر أدلّة الترجيح)(٩٣).
ثانيهما: عدم الترتيب أصلاً، وأنّها جميعاً في عرض واحد، فلو كان أحد الخبرين المتعارضين واجداً لبعض المرجّحات المنصوصة، والخبر الآخر واجداً لبعضٍ آخر وقع التزاحم بينهما، فيقدّم الأقوى مناطاً، فإن لم يكن أحدهما أقوى مناطاً تُخُيّر بينهما، وهو ما ذهب إليه صاحب الكفاية S، حيث قال: (ثمّ إنّه لا وجه لمراعاة الترتيب بين المرجّحات لو قيل بالتعدّي، وإناطة الترجيح بالظنّ، أو بالأقربيّة إلى الواقع ضرورة أنّ قضية ذلك تقديم الخبر الذي ظُنّ صدقه، أو كان أقرب إلى الواقع منهما، والتخيير بينهما إذا تساويا، فلا وجه لإتعاب النفس في بيان أنّ أيّهما يقدّم أو يؤخّر إلّا تعيين أنّ أيّهما يكون فيه المناط في صورة مزاحمة بعضها مع الآخر)(٩٤).
ولا بُدّ من التنبيه على أنّ للقول بالتعدّي عن المرجّحات المنصوصة وعدمه أثراً في هذه الأقوال؛ إذ إنّ كلّا ً من القول الأوّل والثاني والرابع مبتنٍ على القول بوجوب الاقتصار على المرجّحات المنصوصة، لذلك ترى العلّامة المظفر S قد فصَّل اعتماداً على ذلك، فذهب إلى أنّ مقتضى البناء على القول بوجوب الاقتصار على المرجّحات المنصوصة (أن يُرجع إلى مدى دلالة أخبار الباب، وإلى ما ينبغي من الجمع بينها من الجمع العرفي فيما اختلفت فيه)(٩٥).
وأمّا مقتضى البناء على القول بالتعدّي إلى غير المرجّحات المنصوصة، فإنّه (لا قاعدة هناك تقتضي تقدّم أحد المرجحات على الآخر، ما عدا الشهرة التي دلّت المقبولة على تقديمها، وما عدا ذلك فالمُقدّم هو الأقوى مناطاً، أي ما هو الأقرب إلى الواقع في نظر المجتهد، فإن لم يحصل التفاضل من هذه الجهة فالقاعدة هي التساقط لا التخيير، ومع التساقط يرجع إلى الأصول العملية التي يقتضيها المورد)(٩٦).
ولكلِّ قولٍ من هذه الأقوال ـ التي عرضنا أهمّها، وهناك غيرها كثير ـ أدلّته الخاصّة، التي يخرجنا ذكرها، ومناقشتها، وبيان ما هو الصحيح منها، عن المقصود من إعداد هذه الرسالة.
المستوى الثّالث
في كون الشّهرة جابرةً للضعف السّندي(٩٧) أم لا
أمّا بالنسبة للشهرة الروائيّة فمجرّد كون الخبر مشهوراً بالشهرة الروائيّة(٩٨) لا عبرة به في جبر الضعف السندي؛ إذ إنّ الشهرة الروائيّة أعمُّ من الصحّة، لذلك تراهم يعدُّون المشهور بمجرد الشهرة الروائية ـ أي من دون شهرة عملية ـ من أحد أقسام الخبر الضعيف، كما صنع ذلك الشهيد الثاني في درايته، حيث قال: (ومنها ما يختصّ بالضعيف، وهو ثمانية... ثامنها المشهور)(٩٩).
نعم، لا مانع من ذلك إذا انضمَّ إليها اعتماد المشهور وعمَلُهم بأنْ تكون مشهورةً بالشهرة العمليّة أيضاً بعد أنْ بيَّنا فيما سبق أنّ النسبة بينهما العموم من وجه.
وذكر المحقّق النائيني وجهاً آخر يوجِب كون الشهرة الروائيّة مُدخِلةً للخبر الضعيف غير الموثوق بصدورهِ في نفسه في الخبر الموثوق بصدوره، فيكون حجةً.
وحاصلهُ: أنَّ كثرة رواية أصحاب الأئمّة i لروايةٍ معينة ـ ولو كان في سندها منْ لا يوثَق به ـ لا ريب توجِب الظنّ الاطمئناني باحتفافها بقرينةٍ أوجبتْ اشتهارها بين الأصحاب؛ لقُرْب عهدهم من زمان صدورها، فيكشف ذلك عن تثبتهم فيها، ووقوفهم على ما يوجِب اطمئنان النفس بصدورها، لذلك اشترط في الشهرة الجابرة كونها بين قدماء الأصحاب(١٠٠).
أمّا الشهرة العمليّة فترى المحقّق النائيني S (تارةً) يجزم باستحالة إحرازها مطلقاً؛ لأنّها إنّما تكون في عصر الحضور أو ما قاربَهُ قبل تأليف كتب الفتوى، فالذي لنا إليه سبيل هو الشهرة الفتوائيّة(١٠١).
(وأخرى) يُفصِّل بين ما كانت الشهرة عمليَّة استناديّة بين القدماء فيشملها دليل الحجيّة؛ فهي وإنْ كانت ضعيفةً في نفسها إلّا أنّها تكشف بحسب العادة عن اطّلاعهم على قرائن فيها أوجبتْ اطمئنانهم بصدورها حتى صارت مَدرَكاً لفتواهم.
وبين ما كانت بين المتأخّرين البعيد عصرهم عن عصر الصدور فلا توجِب دخول الرواية فيما يوثَق بصدورهِ حتى يشملها دليل الحجّيّة؛ وذلك لِبُعْدِ اطلاعهم عادةً على قرائن موجبة للاطمئنان بالصدور، وإنْ كانوا بحسب النظر أدقَّ من القدماء خصوصاً الطبقة الوسطى منهم S، فغاية ما يحصل من الشهرة هو الظنّ بمطابقة مضمون الرواية للحكم الواقعي، في حين أنّ موضوع دليل الحجّيّة هو الوثوق بصدور الرواية.
بل ألحقَ بالأخيرة ـ في هذا الموضع ـ في عدم الحجّيّة الشهرةَ الفتوائيّة المطابقيّة أيضاً ولو كانت من القدماء؛ لنفس السبب المتقدِّم(١٠٢).
فينحصر البحث في جابريّة الشهرة للضعف السندي في الشهرة الفتوائيّة التي تقدَّم منّا بيان معناها وهو اشتهار الفتوى بين أرباب الفتاوى من قدماء الأصحاب، الذين يقرب عصرهم من عصر الأئمّة i، فقد ذهب مشهور المتأخرين إلى أنّها جابرة للضعف السندي، بحيث أصبحوا يُعبِّرون عنها ـ أحياناً ـ بالقاعدة، وقد اشترطوا في الشهرة لتكون جابرةً شرطين:
الأوّل: أن تكون الشهرة واقعة بين قدماء الأصحاب الذين يقرب عصرهم من عصر الأئمّة i.
الثّاني: إحراز استناد الفقهاء للخبر في مقام الإفتاء؛ إذ إنّ العمل بالخبر الضعيف أعمّ من أن يكون مستنده شهرة هذا الخبر، بل يمكن أن يكون مستندهم في ذلك خبر آخر ليس بضعيف، أو كانوا مستندين إلى أصلٍ عملي أو عقلائي، أو أنّهم يفتون بإفتاء دون التصريح بمنشئه، أو لم تكن لهم فتوى منافية لمضمون الخبر الضعيف.
وقد أشار إلى هذين الشرطين المحقّق النائيني S حيث قال: (إنَّ الترجيح والجبر يتوقّف على الاستناد والاعتماد إلى الرواية، ولا يكفي في ذلك مجرّد مطابقة الفتوى لمضمون الرواية، كما لا يكفي في الترجيح والجبر عمل المتأخّرين بالرواية واستنادهم إليها، فإنَّ العبرة على عمل المتقدّمين من الأصحاب بالرواية لقُرْب زمانهم بزمان
الأئمّة i، ومعرفتهم بحال الرواة، وتشخيصهم غثَّ الرواية عن سمينها، فلا أثر لشهرة المتأخّرين واستنادهم إلى الرواية ما لم تتصل بشهرة المتقدّمين)(١٠٣).
وقد أضاف سيدنا الأستاذ A شرطاً آخر وهو أن يكون ضعف السند واضحاً جليّاً، قال A: (إنّ مورد الجبر ـ لو قيل به ـ ما إذا كان ضعف السند واضحاً جليّاً، ومع ذلك اعتمد الأصحاب على الرواية وعملوا بها وأفتوا بمضمونها، فإنّه قد يقال في مثل ذلك: إنَّ عمل المشهور بالرواية الضعيفة يكشف إمّا عن ورود تلك الرواية بطريقٍ آخر معتبرٍ لم يصل إلينا، أو أنّه قد توفّرت الشواهد المورثة للاطمئنان عادةً بصدور الرواية عن المعصوم؛ إذ لو لم يكن كذلك لما ذهب الأصحاب كلّهم أو جلُّهم إلى العمل بها مع اختلاف مشاربهم ومسالكهم.
والملاحظ أنَّ هذا كلام لا يتمُّ فيما إذا احتُمل أنْ يكون منشأ الاعتماد على الرواية هو الاعتقاد بأنّ الراوي الفلاني المذكور في السند متحدٌ مع راوٍ متفق على وثاقته، ولكنْ لم يثبت عندنا الاتحاد بينهما (في خصوص سويد القلاء وسويد بن مسلم القلاء)، أو ثبت الاختلاف بينهما، ولذلك كانت الرواية عندنا ضعيفة السند.
فإنّه إذا احتُمل أنْ يكون منشأ اعتمادهم على الرواية هو اعتقادهم بالاتّحاد لا يحرز وجود طريق آخر للرواية خالٍ من الخدش، ولا توفّر شواهد تورث الاطمئنان بصدور الرواية عادة بالرغم من ضعف سندها، فلا يصحُّ القول في مثلِه بأنَّ عمل الأصحاب يوجب جبْر ضعف السند، كما لعلَّه واضح)(١٠٤).
وقد استدلَّ المشهور على ما ذهبوا إليه من جابريّة الشهرة للضعف السندي بوجوه، يمكن أن يكون عمدتها أنّ موضوع حجّيّة خبر الواحد هو الخبر الموثوق، بقطع النظر عن منشأ الوثوق، فقد يكون منشؤه وثاقة الراوي كما في الصحيح، وقد يكون منشؤه استناد مشهور الفقهاء من قدماء الطائفة إليه، كما في اشتهار العمل بالخبر وإنْ كان ضعيفاً، فوثاقة الراوي ليست هي المناط الوحيد في تنقيح موضع الحجّيّة لخبر الواحد.
ويمكن أن يَرِد على رأي المشهور إشكال صغرويٌّ حاصله: أنّ تماميّة دعوى الانجبار منوطة بإحراز استناد مشهور القدماء للخبر الضعيف في مقام العمل، ودون ذلك خرط القتاد؛ وذلك لأنّه ليس للمشهور كتب استدلاليّة يمكن التعرّف بواسطتها على ما هو مستندهم في هذه الفتوى أو تلك، وهل أنّ مستند هذه الفتوى المطابقة لمؤدّى الخبر الضعيف هو نفس الخبر، أو أنّ المستند لذلك هو دليل آخر؟ وبهذا لو سلّمنا بتماميّة كبرى الانجبار فإنّه لا ثمرة مترتّبة عليها بعد أن لم يكن إحراز الصغرى ـ وهو الاستناد ـ ميسوراً.
وقد أجاب عن ذلك المحقّق النائيني S (بأنّ الأمر ليس بتلك المثابة من الإشكال، فإنّه إذا توافقت شهرة المتأخّرين مع شهرة المتقدّمين على الفتوى بمضمون الرواية، وكانت الفتوى على خلاف ما تقتضيه القاعدة، ولم يكن فيما بأيدينا ما يصلح لأنْ يكون مستنداً لفتوى المتقدّمين إلّا ما استند إليه المتأخّرون من الرواية، فيكشف ذلك كشفاً عادياً على أنّ مستند المتقدّمين هو تلك الرواية، فإنّ احتمال أن يكون للمتقدّمين مستند آخر غير ما استند إليه المتأخّرون ـ وقد خفي عليهم ـ بعيد غايته.
بل لا ينبغي احتماله، فإنَّ اتصال المتأخّرين بالمتقدّمين مع انحصار المستند عند المتأخّرين بما بأيدينا من الرواية يمنع عن احتمال اختلاف مستند المتقدّمين لمستند المتأخّرين، بل لو ادَّعى أحد القطع باتحاد المستند لم يكن في دعواه مجازفاً.
نعم، لو كانت شهرة المتأخّرين على طبق ما تقتضيه القاعدة وإن استندوا إلى الرواية أيضاً، فلا مجال لاستكشاف كون مستند المتقدّمين تلك الرواية؛ لأنّه يحتمل قريباً أن يكون مستند المتقدّمين في الفتوى هو ما اقتضته القاعدة لا الرواية، فلا أثر لشهرة المتأخّرين واستنادهم إلى الرواية.
وكذا لا أثر لشهرة المتأخّرين والمتقدّمين لو فرض أنّه لم يكن فيما بأيدينا من الكتب ما يصلح أن يكون مستنداً لفتواهم ولو كانت الفتوى على خلاف القاعدة، فإنّ أقصى ما يستفاد من اشتهار الفتوى بين المتأخّرين والمتقدّمين هو استنادهم في الفتوى إلى ما يكون حجّة عندهم؛ لأنّ عدالتهم تأبى عن الفتوى بلا مستند، ولكنَّ مجرّد ذلك لا يقتضي وجوب موافقتهم في الفتوى؛ لعدم العلم بالمستند وكيفيّة دلالته ـ إلى أن قال ـ فتحصَّل: أنّه إذا توافقت شهرة المتأخّرين وشهرة المتقدّمين في الفتوى على خلاف ما تقتضيه القاعدة، وكان فيما بأيدينا من الكتب ـ ولو لم تكن من الكتب المعتبرة كدعائم الإسلام والأشعثيّات والفقه الرضوي ـ رواية على فتوى المشهور، فهذه الشهرة تكون مرجّحة للرواية إذا كانت معارضةً مع غيرها، وجابرةً لضعف سندها ولو مع عدم المعارضة.
وأمّا إذا خالفتْ شهرة المتأخّرين مع شهرة المتقدّمين في الفتوى ـ كما اتّفق ذلك في عدّة مواضع، منها جواز الصلاة في السنجاب ـ فالعبرة إنّما تكون بشهرة المتقدّمين. وممّا ذكرنا ظهر وجه الحاجة إلى تحصيل شهرة المتقدّمين على الفتوى، فتأمّل جيّداً)(١٠٥).
وفي مقابل ما ذهب إليه المشهور ذهب جماعة إلى منع كون الشهرة جابرةً للضعف السندي، منهم الشهيد الثاني والسيّد الخوئي S وآخرون، حيث قال الأوّل في معرض مناقشته للمُجوِّزين للعمل بالضعيف مع اعتضاده بالشهرة: (إنّا نمنع من كون هذه الشهرة التي ادَّعوها مؤثّرةً في جبر الخبر الضعيف؛ فإنَّ هذا إنّما يتمُّ لو كانت الشهرة متحقّقة قبل زمن الشيخ S، والأمر ليس كذلك، فإنَّ مَنْ قبلَه من العلماء كانوا بين مانعٍ من خبر الواحد مطلقاً ـ كالسيّد المرتضى والأكثر، على ما نقله جماعة ـ وبين جامعٍ للأحاديث من غير التفاتٍ لتصحيح ما يصحُّ وردِّ ما يُرَد.
وكان البحث عن الفتوى مجرّدةً لغير الفريقين قليلاً جداً، كما لا يخفى على مَنْ اطّلع على حالهم.
فالعمل بمضمون الخبر الضعيف قبل زمن الشيخ على وجهٍ يجبر ضعفه، ليس بمتحقّق، ولمّا عمل الشيخ بمضمونه في كتبه الفقهيّة جاء من بعده من العلماء واتَّبعهُ منهم عليها الأكثر تقليداً له، إلّا منْ شذَّ منهم، ولم يكن فيهم منْ يسبر الأحاديث وينقّب عن الأدّلة بنفسه سوى الشيخ المحقّق ابن إدريس، وقد كان لا يُجيز العمل بخبر الواحد مطلقاً)(١٠٦).
وتبنّى السيّد الخوئي S الإشكال الصغروي المتقدِّم على إحراز استناد مشهور القدماء للخبر الضعيف في مقام العمل، ممّا يعني منْعَهُ من كون الشهرة جابرةً للضعف السندي.
تـنـبـيهـان:
التنبيه الأوّل: قد تقدَّم أنّه بناءً على أنَّ المناط في حجّيّة الخبر هو الوثوق بصدوره، فإنّ العمل بالخبر عند المشهور من القدماء ممّا يوجِب الوثوق بصدوره، يكون جابراً لضعفه السندي.
فكذلك العكس، فالمشهور أنّ إعراض الأصحاب عن الخبر يوجِب وهْنَه، وإن كان قوي السند، وراويه ثقة، بل كلّما قَوِيَ سند الخبر فأعرض عنه الأصحاب كان ذلك أكثر دلالةً على وهْنِه، قال المحقّق النائيني S: (لا إشكال في كون الشهرة الفتوائيّة على خلاف مضمون الرواية تكون موهنةً لها على كلِّ حال؛ لأنّ إعراض الأصحاب عن الرواية أقوى موهنٍ لها)(١٠٧).
وفي قوله (موهنة لها على كلِّ حالٍ) نظر؛ إذ لا بدَّ من تقييده بما لم يعمل به المشهور حال كونه بمرأىً منهم ومسمع، وأمّا الذي احتُمل عدم اطلاعهم عليه فهو خارج عن محلّ الكلام، ولا يبعد جواز العمل به مع كونه صحيحاً في نفسه؛ إذ لا يصدق عليه أنّه مُعرَض عنه من قِبل المشهور؛ لأنّ الإعراض فرع الاطّلاع، ويساعد عليه ما ذكره صاحب الكفاية من أنَّ العبرة في الوهن إنّما هو الخروج بالمخالفة من تحت دليل الحجّيّة، فلا يبعد عدم وهن السند بالظنّ بعدم صدوره، وكذا عدم وهن دلالته مع ظهوره، إلّا فيما كشف بنحوٍ معتبر عن ثبوت خللٍ في سنده، أو وجود قرينةٍ مانعةٍ عن انعقاد ظهورهِ فيما فيه ظاهر(١٠٨).
التنبيه الثّاني: أنَّه من المعروف عن المحقّقين من علمائنا أنّهم لا يقدمون على مخالفة المشهور إلّا مع دليلٍ قويٍ ومستندٍ جليٍ يصرفهم عن المشهور، بل ما زالوا يحرصون على موافقة المشهور، وتحصيل دليلٍ يوافقه ولو كان الدال على غيره أوْلى بالأخذ، وأقوى في نفسه، وما ذلك من جهة التقليد للأكثر، ولا من جهة قولهم بحجّيّة الشهرة، وإنّما منشأ ذلك إكبار المشهور من آراء العلماء، لاسيّما إذا كانوا من أهل التحقيق والنظر.
وهذه طريقة جارية في سائر الفنون؛ فإنَّ مخالفة أكثر المحقّقين في كلِّ صناعةٍ لا تسهل إلّا مع حجّةٍ واضحةٍ وباعثٍ قوي؛ لأنّ المُنصِف قد يشكُّ في صحّة رأيه مقابل المشهور، فيُجوِّز على نفسه الخطأ، ويخشى أن يكون رأيُه عن جهلٍ مركب، لاسيّما إذا كان قول المشهور هو الموافق للاحتياط(١٠٩).
وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، والصلّاة والسّلام على خير خلقهِ محمَّدٍ وآلهِ الطيّبين الطاهرين.
مصادر البحث
القرآن الكريم.
(١) لسان العرب: ٤/ ٢٣٥١.
(٢) يُلاحظ أجود التقريرات: ٣/ ١٧٣، ٢٧٦، ودروس في علم الأصول، الحلقة الثالثة: ١/ ١٣٣، أصول الفقه: ٣/ ١٦٧- ١٧٠.
(١) ولم يفرّق السيد الشهيد الصدر S بين الشهرتين العمليّة والفتوائيّة، بل جعلهما واحدة في مقابل الشهرة الروائية، تلاحظ الحلقة الثالثة: ١/ ١٣٣.
(٢) أجود التقريرات: ٣ / ١٧٣و ٢٧٦.
(٥) إذ إنَّ الواحد قد لا يكون ثقةً، فلا يُبحث عن حجيّة خبره.
(٦) تخصيص البحث بالشهرة الفتوائيّة هو ما صنعه المحقّق النائيني والسيّد الخوئي والسيّد الشهيد الصدر S، وإنْ عمَّمهُ الأخير في الحلقة الثالثة ليشمل الشهرة الروائيّة.
(١) إنّما اقتصر S على التحديد الكيفي للتواتر، بخلاف الإجماع الذي سيحدّده تحديداً كيفيّاً وكمّيّاً، لأنّ الأكثر لم يشترطوا عدداً معيّناَ في تحقّق التواتر.
(٨) بحوث في علم الأصول: ٤/ ٣٢١.
(٩) المبسوط: ١/ ٢.
(١٠) يـلاحـظ: مبـاحـث الحـجّـج تـقـريـراً لأبحـاث سمـاحـة السـيّد علي الحسيني السيستاني F بقلم السيّد محمّد علي الرباني: ٢٥٦ـ ٢٥٨، طبعة أوّليّة محدودة التداول.
(١١) أجود التقريرات: ٣/ ١٧٤.
(١٢) فرائد الأصول: ١/ ٢٣٢.
(١٣) أجود التقريرات: ٣/ ١٧٦.
(١٤) مصابيح الأصول: ٢/ ٣٥٦، بتصرّف.
(١٥) بحوث في علم الأصول: ٤/ ٣٢٤.
(١٦) المصدر السابق نفسه.
(١٧) قوله تعالى: {أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} سورة الحجرات: ٦.
(١٨) لذلك استدلَّ بنفس الدليل على حجّية خبر الثقة، كونه ممّا يؤمَن معه من إصابة القوم بجهالة، وكذلك استدلَّ به على جابريّة الشهرة الفتوائيّة للضعف السندي، كما سيأتي بيانه في محلّه في البحث الثّالث من هذه الرسالة.
(١٩) أجود التقريرات: ٣/ ١٧٥.
(٢٠) كفاية الأصول: ٢٩٧، بتصرف.
وهناك جوابان آخران عن هذا الاعتراض:
أحدهما: إنّ المفهوم مخصّص لعموم التعليل؛ لأنّه يثبت الحجّية لخبر العادل غير العلمي، والتعليل يقتضي عدم حجّية كلّ ما لا يكون علمياً، فالمفهوم أخصّ منه.
ثانيهما: إنّ المفهوم حاكم على عموم التعليل ـ على ما ذكره المحقّق النائيني S ـ؛ وذلك لأنّ مفاده حجّية خبر العادل، وحجّيته معناها ـ على مسلك جعل الطريقية ـ اعتباره علماً، والتعليل موضوعه الجهل وعدم العلم، فباعتبار خبر العادل علماً يخرج عن موضوع التعليل، وهو معنى كون المفهوم حاكماً.
ويرد على الأوّل: أنّ هذا إنّما يتمُّ إذا انعقد للكلام ظهور في المفهوم ثمّ عارض عموماً من العمومات فإنّه يُخصِّصه، وأمّا في المقام فلا ينعقد للكلام ظهور في المفهوم؛ لأنّه متّصل بالتعليل، وهو صالح للقرينيّة على عدم انحصار الجزاء بالشرط، ومعه لا ينعقد الظهور في المفهوم لكي يكون مخصِّصاً.
ويرد على الثاني:
أوَّلاً: إنّه مصادرة على المطلوب؛ إذ إنّ كون مفاد المفهوم هو حجّية خبر العادل الذي رُتّب عليه أنّ معناه اعتباره علماً، وهو عين المدَّعى، كما لا يخفى.
ثانياً: إنّه إذا كان مفاد المفهوم اعتبار خبر العادل علماً، فمفاد المنطوق هو نفي هذا الاعتبار، وعليه فالتعليل يكون ناظراً إلى توسعة دائرة هذا النفي وتعميمه إلى كلّ ما لا يكون علمياً، فكأنّ التعليل يقول: إنّ كل ما لا يكون علماً وجداناً لا أعتبره علماً، وبهذا يكون مفاد التعليل ومفاد المفهوم في رتبة واحدة، أحدهما يثبت اعتبار خبر العادل علماً، والآخر ينفي هذا الاعتبار، ولا موجب لحكومة أحدهما على الآخر.
(٢١) أجود التقريرات: ٣/ ١٧٥.
(٢٢) وسائل الشيعة: ١٨/ ٧٥ ـ ٧٦ باب ٩ من أبواب صفات القاضي، حديث ١.
(٢٣) بحوث في علم الأصول: ٤/ ٣٢٢ ـ ٣٢٤، بتصرف.
(٢٤) عوالي اللآلئ: ٤/ ١٣٣، ومستدرك الوسائل: ١٧/ ٣٠٣ الباب التاسع من أبواب صفات القاضي: الحديث/٢.
(٢٥) أجود التقريرات: ٣/ ١٧٤.
(٢٦) المصدر نفسه، بتصرُّف.
(٢٧) أجود التقريرات: ٣/ ١٧٤- ١٧٥، بتصرف.
(٢٨) بحوث في علم الأصول: ٤/ ٣٢٤.
(٢٩) فرائد الأصول: ٤/١١.
(٣٠) فوائد الأصول: ٤/ ٧٠٠.
(٣١) كفاية الأصول: ٤٣٩.
(٣٢) يلاحظ: فوائد الأصول: ٤/ ٧٠٠ وما بعدها.
(٣٣) إذ إنّ الدليلين إنّما يكونان متعارضين إذا تكاذبا في مقام الجعل والتشريع، ويكونان متزاحمين إذا امتنع الجمع بينهما في مقام الامتثال مع عدم التكاذب في مقام التشريع.
(٣٤) قال السيّد الخوئي S في المصابيح: ( ٤/٣٨٠ ): (لأنّ التخصّص عبارة عن الخروج الموضوعي وجداناً وسببه أمرٌ وجداني، مثل ما لو قال: (أكرم العلماء) فالجاهل بلا ريب خارج عن الموضوع خروجاً وجدانيّاً غير مشوب بالتعبّد، فليس بين الأمرين تنافٍ حتى يقع البحث عنه).
(٣٥) للحكومة معنيان رئيسان:
الأوّل: أن يكون أحد الدليلين ناظراً للدليل الآخر وشارحاً له على نحو المفسّرية بـ (أي) التفسيرية أو ما شاكلها، على نحو لولا دليل المحكوم لما كان للدليل الحاكم أثرٌ مهم، كما لو قال الفقيه: (لا يعيد المكلّف إذا شكّ في صلاته)، ثمّ يأتي دليل آخر يقول: (المقصود منها الشكّ بين الثلاث والأربع) فلا منافاة بين الدليلين حينئذ.
الثّاني: أن يكون أحد الدليلين رافعاً للدليل الآخر رفعاً تعبّديّاً بسببٍ من الشارع، بمعنى أنّ الرفع وسببه إنّما كان من الشارع المقدّس، أي بتعبّده.
وكون أحد الدليلين رافعاً للآخر يكون (تارة) بالتصرف في عقد الوضع:
إمّا بتضييق دائرة الموضوع، كما لو قال المولى: (أكرم العلماء) وقال: (الفاسق ليس بعالم)، فمفاد الثاني إخراج الفاسق عن صفة العلم بتنزيل الفسق منزلة الجهل، وهذا تصرّفٌ في عقد الوضع فلا يبقى عموم لفظ العلماء شاملاً للفاسق بحسب هذا الادّعاء والتنزيل.
ومثاله في الشرعياتقولهg: (لا شكّ لكثير الشكّ) وقوله g: (لاربابينالوالدوولده)وقوله g: (لا سهو على الإمام إذا حفظ منْ خلفه) التي تنزّل الشكّ والربا والسهو في هذه الموارد منزلة العدم. وبهذا يتّضح أنّ نتيجة الحكومة ههنا عين نتيجة التخصيص، إلّا أنّ الأخير لا يخرج الخاصّ عن الموضوع تنزيلاً على وجه لا يبقى معه ظهور ذاتي للعموم في الشمول، وإنّما يحافظ على بقاء صفة العالم للفاسق، ويخرجه عن وجوب الإكرام إخراجاً حقيقياً مع بقاء الظهور الذاتي للعالم في شموله للفاسق.
وإمّا بتوسعة دائرة الموضوع، مثل ما لو قال عقيب الأمر بإكرام العلماء: (المتّقي عالم) فإنّ هذا يكون حاكماً على الأوّل وليس فيه إخراج، بل هو تصرّف في عقد الوضع بتوسعة معنى العالم ادّعاءً إلى ما يشمل المتّقي تنزيلاً للتقوى منزلة العلم.
ومثاله في الشرعيات قوله g (الطواف بالبيت صلاة) الذي يُثبت للطواف الأحكام المناسبة التي تخصّ الصلاة من الطهارة ونحوها.
(وأُخرى) في عقد الحمل، مثل أدلّة لا ضرر ولا حرج، كقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} فإنّ هذه الأدلّة التي تفيد رفع الحكم في صورة ثبوت الحرج والضرر إنّما تكون ناظرة إلى تلك الأدلّة المطلقة الثابتة للأحكام بعناوينها الأوّلية.
فالنتيجة أنّ الدليل الحاكم ليس بينه وبين الدليل المحكوم تنافٍ، كما لا يخفى.
أمّا الورود فهو عبارة عن أن يكون الدليل الوارد رافعاً للدليل المورود على أن يكون الخروج وجدانياً، ولكنّه بسبب التعبّد الشرعي، أي أنّ مستند الخروج أمر تعبدي إلّا أنّ نفس الخروج أمر وجداني.
فالورود من حيث نفس الخروج عين معنى التخصّص، فلو قال المولى: (أكرم العالم) كان الجاهل خارجاً تخصّصاً بالوجدان، ومن حيث مستند الخروج يفترق عن التخصّص باحتياجه إلى دليل شرعي يتعبّد به في الخروج.
ومن هنا تعرف أنّ الرفع في كلّ من الورود والتخصّص واحد وهو أمر وجداني، وسببه في التخصّص وجداني أيضاً، ولكن في الورود تعبّدي.
ومثاله خبر الواحد، فإنّه لا يثبت كونه مفيداً للعلم إلّا بتعبّدٍ من الشارع، حيث لم يكن فيه جهة كاشفيّة عن الواقع، بل كاشفيته ناقصة لا يمكن العمل على مقتضاها. أمّا عدم كونه علماً فلخروجه من حيث هو ظنٌّ عن العلم وجداناً؛ كونه خارجاً عن العلم تخصّصاً. ومثاله الآخر دليل الأمارة الوارد على أدلّة الأصول العقلية، كالبراءة وقاعدة الاحتياط وقاعدة التخيير، فإنّ البراءة العقلية لمّا كان موضوعها عدم البيان الذي يحكم معه العقل بقبح العقاب، فالدليل الدالّ على حجّية الأمارة يعتبر الأمارة بياناً تعبّداً مع كونها ليست بياناً وجداناً، وبهذا التعبّد يرتفع موضوع البراءة العقلية وهو عدم البيان، وعليه فلا تنافي بين دليل الأمارة وبين أدلّة الأصول العقلية ولا تعارض.
(٣٦) منهم المحقّق النائيني S في فوائد الأصول: ٤/ ٧١٠ ـ ٧١٥، والشيخ المظفّر Sفي أصول الفقه: ٣/ ٢١٤.
(٣٧) إنّما قيّدنا الجمع بكونه عرفيّاً؛ لأنّه القدر المتيقّن الداخل في هذه القاعدة، أمّا الجمع التبرعي فقد وقع البحث في دخوله في القاعدة، والصحيح عدم دخوله على ما نقّح في محلّه.
(٣٨) عوالي اللآلئ: ٤/ ١٣٦.
(٣٩)إنّما قيّدنا بذلك احترازاً عمّا يقوّم أصل الحجّة ويميّزها عن اللاحجّة، فالجهة التي تكون من مقوّمات الحجّة مع قطع النظر عن المعارضة لا تدخل في مرجّحات باب التعارض، بل تكون من باب تمييز الحجّة عن اللاحجّة. لذلك يجب التنبّه إلى أنّ الروايات المذكورة في باب الترجيحات هل هي واردة في صدد ترجيح الحجّة على الحجّة، أو تمييز الحجّة عن اللاحجّة؟
فعلى الثاني لا يكون فيها شاهد على ما نحن فيه، كما قال صاحب الكفاية S في روايات الترجيح بموافقة الكتاب (يلاحظ: كفاية الأصول: ٥٠٥)، والسيّد الخوئي S في روايات الترجيح بالشهرة (يلاحظ: مصابيح الأصول: ٤/ ٤٦٧) كما سيأتي بيانه. لذلك جعل فرض حجّيتهما في أنفسهما أحد شروط تحقّق التعارض الاصطلاحي، كما تقدّمت الإشارة إليه.
(٤٠) وسيأتي البحث مستقلّا ً في المرجّحات غير المنصوصة، وهل يجوز التعدّي إليها عند إرادة ترجيح أحد المتعارضين أم لا؟
(٤١) وذلك للخلاف الواقع في إفادة النصوص مرجّحيّة بعضها مثل الترجيح بالصفات والأحدثيّة، والتي ذهب كثير من الأصوليين إلى عدمه.
(٤٢) بحوث في علم الأصول: ٤/ ٣٧٢ ـ ٢٧٣.
(٤٣) أصول الفقه: ٣/ ٢٥٣.
(٤٤) الكافي: ٣/ ٢٧٥ باب وقت الظهر والعصر من كتاب الصلاة ح١.
(٤٥) بصائر الدرجات: ٢٣٠ باب ١٢ في الأئمّة i أنّهم أعطوا الاسم الأعظم ح١.
(٤٦) الكافي: ٨/ ٣٣٤ ح٥٢٢.
(٤٧) المصدر نفسه: ١/ ٥٠ باب النوادر، كتاب فضل العلم، ح١٣.
(٤٨) معجم رجال الحديث: ١٤/ ٣٣.
(٤٩) ولنا رسالة مستقلّة نشرت في العددين التاسع والعاشر من مجلّة دراسات علمية، في بيان دعوى الشيخ الطوسي S من أنّ صفوان وابن أبي عمير والبزنطي لا يروون ولا يرسلون إلّا عن ثقة، وقد تعرّضنا فيها بالتفصيل لأدلّة السيّد الخوئي S التي اعتمد عليها في الجزم بعدم دلالة رواية هؤلاء الأجلّاء على وثاقة مَن رووا عنه، فراجع.
(٥٠) مصابيح الأصول: ٤ / ٤٦٦.
(٥١) بحوث في علم الأصول: ٤ / ٣٧٠.
(٥٢) نهاية الدراية: ٦/ ٣١٧.
(٥٣) مصابيح الأصول: ٤/ ٤٦٧ـ ٤٦٨.
(٥٤) بحوث في علم الأصول: ٧ /٣٧٥.
(٥٥) بحوث في علم الأصول: ٧/٣٧١.
(٥٦) عوالي اللآلئ: ٤/١٣٣، ٢٢٩، مستدرك الوسائل: ١٧/ ٣٠٣، الباب التاسع من أبواب صفات القاضي، الحديث ٢.
(٥٧) معجم رجال الحديث: ١٥/ ٢٤٦.
(٥٨) كفاية الأصول: ٤٤٣.
(٥٩) مصابيح الأصول: ٤/ ٤٦٥.
(٦٠) الحدائق الناضرة: ١/ ٩٩.
(٦١) بحوث في علم الأصول: ٧/ ٣٧٧.
(٦٢) فرائد الأصول: ٤٤٨.
(٦٣) نهاية الدراية: ٣/ ٣٦٩.
(٦٤) بحوث في علم الأصول: ٧/ ٣٧٧، بتصرّف.
(٦٥) بحوث في علم الأصول: ٧/ ٣٧٥، بتصرّف.
(٦٦) لا التباين، بمعنى أنّ التعارض بين إطلاق الترجيح وكلٍّ من المرجحين المتعاكسين فيهما مع إطلاق الآخر، فالمقبولة تُثبت الترجيح بالصفات سواء كان الآخر مشهوراً أم لا، والمرفوعة تُثبت الترجيح بالشهرة سواء كان الآخر مشهوراً أم لا، فيتعارضان في خصوص ما إذا كان أحدهما واجداً للصفات والآخر مشهوراً.
(٦٧) ويبقى الكلام عن إعمال المرجّح الثالث عند تكافؤ المتعارضين في المرجحين المتقدّمين عليه، بأن يكون أحدهما موافقاً للكتاب والآخر واجداً لصفات الراوي فسيأتي الحديث عنه عند ملاحظة النسبة بين رواية الراوندي والمرفوعة.
(٦٨)يلاحظ: بحوث في علم الأصول: ٧/ ٣٨٠ ـ ٣٨١.
(٦٩) وسائل الشيعة: ٢٧/ ١٢٢، الباب: ٩ من أبواب صفات القاضي ح٤٣.
(٧٠) بحوث في علم الأصول: ٧/ ٣٦١.
(٧١) إذ من الواضح أنّ مورد كلٍّ من المقبولة والمرفوعة المتقدّمتين ـ اللّتين لا مستند للقول بكون صفات الراوي مرجِّحاً غيرهما ـ هو التعارض بين الحاكمين لا بين الراويين، كما تقدّم بيان ذلك مراراً.
(٧٢) يلاحظ: جامع أحاديث الشيعة: ١/ ٢٦٦ باب ٦من أبواب المقدّمات.
(٧٣) الكافي: ١/٦٧ ح ٨.
(٧٤) يلاحظ نهاية الدراية في شرح الكفاية: ٣/ ٣٦٥.
(٧٥) بحوث في علم الأصول: ٧ / ٣٦٧.
(٧٦) بحوث في علم الأصول: ٧/ ٣٦٥ ـ ٣٦٦.
(٧٧) بحوث في علم الأصول: ٧/ ٣٦٦ ـ ٣٦٧.
(٧٨) هناك قول آخر، وهو: التفصيل بين صفات الراوي فيجوز التعدّي فيها، وبين غيرها فلا يجوز، وقد ذكر هذا القول العلّامة المظفر S (٣ / ٢٦١) من دون أن يُسمّي القائل به.
(٧٩)وفي مقابلِه قول بالتعدّي إلى ما يوجب الظنَّ الشخصي بالصدق والموافقة للواقع.
(٨٠)يلاحظ فرائد الأصول: ٢/ ٧٨٠.
(٨١)يلاحظ الكافي: ١/ ٨.
(٨٢) يلاحظ كفاية الأصول: ٥٠٩.
(٨٣) المصدر نفسه، بتصرف.
(٨٤) المصدر نفسه، بتصرف.
(٨٥) المصدر نفسه، بتصرف.
(٨٦) يلاحظ: أصول الفقه: ٣/٢٦١ـ٢٦٢
(٨٧) يلاحظ: مفاتيح الأصول: ٦٨٧ (ط. حجر)، بحر الفوائد في شرح الفرائد: ٤/ ٤٣.
(٨٨) مفاتيح الأصول: ٦٨٦، الخاتمة في التعادل والتراجيح، السيّد محمّد الطباطبائي، طبعة محمّد حسين الحجرية ـ طهران.
(٨٩) كفاية الأصول: ٥١٠.
(٩٠) كفاية الأصول: ٥١٨.
(٩١) لاحظ فرائد الأصول: ٤/ ١١٣وما بعدها، كفاية الأصول: ٥١٨.
(٩٢) الوافية: ٣٢٥ وما بعدها، أصول الفقه: ٣/ ٢٥٧، بتصرّف.
(٩٣) فوائد الأصول: ٤/ ٧٨٠ ـ ٧٨١.
(٩٤) كفاية الأصول: ٥١٨.
(٩٥) أصول الفقه: ٣/ ٢٥٧ـ ٢٥٨.
(٩٦) أصول الفقه: ٣/ ٢٦٠.
(٩٧) قد بحث المحقّق النائيني S ـ على ما نقله في أجود التقريرات (٣/ ٢٧٧) ـ جابرية الشهرة للضعف الدلالي، فحيث إنَّ موضوع الحجّيّة هو كون اللفظ بنفسهِ ظاهراً في المعنى ومُلقياً له في الخارج، حكمَ باستحالة تحقّق ذلك بالشهرة الخارجيّة؛ إذ غاية ما يحصل من الشهرة هو الظنّ بكون الحكم الذي أفتى به المشهور مراداً من الرواية، وهو أجنبي عن ظهور اللفظ في المعنى، الذي هو موضوع الحجّيّة.
(٩٨) التي تعني اشتهار الرواية بين الرواة وتدوينها في كتب الحديث.
(٩٩) الرعاية في شرح البداية: ٣٣ وما بعدها.
(١٠٠) أجود التقريرات: ٣/ ٢٧٦، بتصرّف.
(١٠١) يلاحظ: فوائد الأصول: ٤/ ٧٨٧.
(١٠٢) أجود التقريرات: ٣/ ٢٧٧، بتصرّف.
(١٠٣) فوائد الأصول: ٤/ ٧٨٧.
(١٠٤) قبسات من علم الرجال: ٢/ ٣٠٨ ـ ٣٠٩.
(١٠٥) فوائد الأصول: ٤/٧٨٧ ـ ٧٨٩.
(١٠٦) الرعاية في شرح البداية: ٢٩.
(١٠٧) فوائد الأصول: ٤ / ٧٨٧.
(١٠٨) كفاية الأصول: ٣٣٢ ـ ٣٣٣، بتصرّف.
(١٠٩) أصول الفقه: ٣/ ١٦٩، بتصرّف.