
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.
وبعد، فإنّ البحث في المسائل ذات الطابع العملي في بعض جوانبها يحظى بمجال من الأهمّية لا سيّما مع تكرّر الابتلاء بها بشكل يومي في حياة بعض المكلّفين، ومن هذا القبيل مسألة التطوّع بالنافلة في وقت الفريضة، فإنّ القول فيها جوازاً أو منعاً ذو تأثير مباشر على سلوك الإنسان في هذا المجال.
والنظر المتفحّص في حدود ما حضرني من مصادر لكلمات فقهائنا المتقدّمين يفضي إلى عدم العثور على مصرّح منهم بالمنع وإن لاح من بعض كلمات القاضي ابن البرّاج، حيث
قال: (وإذا زالت الشمس وصارت بعد الزوال على قدمين، ولم يكن المكلّف صلّى من نوافل الظهر شيئاً فينبغي أن يؤخّرها ويبدأ بالفريضة، وهكذا ينبغي أن يفعل في نوافل العصر مع فريضته إذا صار الظلّ بعد الزوال على أربعة أقدام)(١).
نعم، يظهر من بعض كلماتهم المنع في خصوص قضاء النافلة في وقت الفريضة، فقد قال الشيخ المفيد S: (وتقضى فوائت النوافل في كلّ وقت ما لم يكن وقت فريضة)(٢)، وذكر الشيخ نحو هذه العبارة في النهاية(٣)، وقال في المبسوط: (ومن فاته شيء من النوافل المرتّبة قضاه أيّ وقت ذكره ما لم يكن وقت فريضة)(٤)، وقال في الوسيلة: (وأمّا قضاء النوافل فمستحبّ ما لم يكن وقت فريضة أو لم يلزمه قضاء فريضة)(٥)، وقال في السرائر: (ومن فاته شيء من صلاة النوافل فليقضها أيّ وقت شاء من ليل أو نهار ما لم يدخل وقت فريضة)(٦).
وعلى الرغم من حكاية جواز التنفّل لمن عليه فائتة عن الشيخ الصدوق، وابن الجنيد T، فقد قال السيّد في المدارك: (واختلف الأصحاب في جواز التنفّل لمن عليه فائتة، فقيل بالمنع .. وقيل بالجواز، وهو اختيار ابن بابويه، وابن الجنيد)(٧).
وأوّل من وجدته مصرّحاً بالمنع، بل ومدّعياً عليه الإجماع هو المحقّق الحلّي S حيث قال: (وتصلّى الفرائض أداءً وقضاءً ما لم تتضيّق الحاضرة، والنوافل ما لم يدخل وقت الفريضة، وهو مذهب علمائنا .. وأمّا النوافل فلما روينا من الأحاديث المانعة من النافلة في وقت الفريضة)(٨).
وتبعه عليه العلّامة S، حيث قال: (لا يجوز لمن عليه صلاة فريضة أن يأتي بالنافلة قضاءً ولا أداءً)(٩).
هذا، ولعلّ أوّل من فتح الباب لتبنّي القول بجواز النافلة في وقت الفريضة هو الشهيد الأوّل في الدروس والذكرى، وقد تابعه على ذلك المحقّق الثاني في جامع المقاصد(١٠)، والمحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة(١١) وجملة من متأخّري المتأخّرين.
قال في الذكرى: (اشتهر بين متأخّري الأصحاب منع صلاة النافلة لمن عليه فريضة، وقد قدّمنا أخباراً تشهد بجواز ذلك)(١٢) ثمّ إنّه بعد أن ذكر مستنده على الجواز من الأخبار، ذكر أدلّة المانعين وأجاب عنها بقوله: (والجواب: لمّا تعارضت الروايات وجب الجمع بالحمل على الكراهية في هذا النهي، وبنفي الصلاة الكاملة في الخبر الثاني)(١٣)، ويقصد به قوله g: (لا صلاة لمن عليه صلاة)(١٤).
وعلى كلّ حال المهمّ هو النظر في أدلّة المسألة لنرى أيّ القولين حريّ بالاختيار.
وقبل الشروع في البحث نذكر تمهيداً نافعاً في تحديد محلّ النقض والإبرام في كلمات الأعلام.
تمهيد:
ونتناول فيه ثلاثة أمور:
١ ـ ذكر الفقهاء x بأنّ وقت الظهرين ما بين الزوال والمغرب، ويختصّ الظهر بأوّله بمقدار أدائها بحسب حاله، ويختصّ العصر بآخره كذلك. وما بين المغرب ونصف الليل وقت للمغرب والعشاء، ويختصّ المغرب بأوّله بمقدار أدائه، والعشاء بآخره كذلك. وما بين طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس وقت الصبح.
ووقت فضيلة الظهر من الزوال إلى بلوغ الظلّ الحادث بعد الانعدام، أو بعد الانتهاء مثل الشاخص، ووقت فضيلة العصر من المثل إلى المثلين على المشهور، ووقت فضيلة المغرب من المغرب إلى ذهاب الشفق ـ أي الحمرة المغربية ـ، ووقت فضيلة العشاء من ذهاب الشفق إلى ثلث الليل، ووقت فضيلة الصبح من طلوع الفجر إلى حدوث الحمرة في المشرق(١٥).
٢ ـ لا إشكال في جواز أداء النوافل المرتّبة اليومية عند دخول وقت الفريضة ما لم يتضيّق وقت فضيلتها، وإنّما الكلام في جواز الإتيان بالنوافل غير المرتّبة من المبتدأة وذوات الأسباب قبل الإتيان بالفريضة التي حضر وقتها، وكذا يدخل في محلّ الكلام صورة مزاحمة النافلة الراتبة اليومية للفريضة التي تضيّق وقت فضيلتها.
فالمراد بالنافلة في الروايات المستدلّ بها في محلّ الكلام إمّا خصوص الراتبة كما يشهد له الأمر بقضائها في جملة منها(١٦) أو الأعمّ منها ومن المبتدأة.
ومع هذا يكون المراد بوقت الفريضة في تلك الروايات بحسب الظاهر هو وقتها الذي أمر فيه بأن يبدأ بالفريضة ويترك عنده النافلة، وهو بالنسبة إلى الظهرين بعد الذراع والذراعين، فالمستفاد من الروايات أنّ التطوّع قبل الذراع والذراعين خارج عن موضوع الأخبار الناهية عن التطوّع في وقت الفريضة.
٣ ـ المقصود بالنهي عن التطوّع في وقت الفريضة هو النهي عنه ما دامت الذمّة مشغولة بالفريضة لا مطلقاً؛ ضرورة أنّه يجوز التطوّع في وقت الفريضة بعد أدائها نصّاً وفتوىً، فالوقت في حدّ ذاته صالح للتطوّع ولكن اشتغال الذمّة بالفريضة أثّر في المنع عنه(١٧).
ثمّ إنّ الظاهر من كلمات بعض من تعرّض للمسألة من فقهائنا أنّ النزاع ومحلّ الأخذ والردّ هو الحكم التكليفي، كما ينادي بذلك لسان القائلين بالجواز، فقد حمل الشهيد في الذكرى(١٨) أخبار المنع من النافلة لمن عليه قضاء فريضة على الكراهة، كما أنّ هذا هو المناسب للسان الأدلّة، فإنّ الأصل في الأوامر والنواهي الواردة في لسان الشارع هو حملها على المولوية وتأسيس الحكم التكليفي، كما ربّما هذا هو مراد المانعين من النافلة في وقت الفريضة، حيث استدلّوا بالأدلّة الآمرة بالبدء بالفريضة إذا دخل وقتها مدّعين بأنّه يدلّ على النهي عن النافلة عند دخول وقت الفريضة، ومن القريب جدّاً أن يكون مرادهم التمسّك بالملازمة بين الأمر بالشيء والنهي عن ضدّه.
ثمّ لا يخفى أنّ ثبوت النهي التكليفي عن العبادة يستلزم النهي الوضعي؛ للتلازم بين النهي عن العبادة وفسادها، فلا تستغرب من تعبير بعض الفقهاء بأنّ (تقديم الفريضة شرطاً في صحّة النافلة، كما هو من لوازم مذهب المانعين)(١٩) أو (إنّ تفريغ الذمّة شرطاً تعبّدياً لصحّة النافلة)(٢٠).
الأقوال في المسألة
وقد انقسمت أقوال علمائنا في مسألة التطوّع بالصلاة في وقت الفريضة على قولين رئيسيين:
القول الأوّل: عدم الجواز، وهو للمحقّق(٢١)، والعلّامة في جملة من كتبه(٢٢)، وجماعة من المتأخّرين(٢٣)، ونسبه في المدارك والحدائق إلى الشيخين(٢٤)، وقد صرّح المحقّق بأنّه مذهب علمائنا(٢٥)، كما صرّح الشهيد الثاني بأنّه المشهور بين المتأخّرين(٢٦).
القول الآخر: الجواز، وهو مذهب الشهيدين(٢٧)، وقد صرّح في الدروس بأنّه الأشهر(٢٨).
أدلّة القول الأوّل
وقد استُدلّ لعدم الجواز بعدّة وجوه:
الوجه الأوّل: ما ورد بلسان الأمر بالبدء بالفريضة عند دخول وقتها، ويتمثّل ذلك بروايتين:
الأولى: صحيحة زرارة، عن أبي جعفر g، قال: سألته عن ركعتي الفجر قبل الفجر أو بعد الفجر؟ فقال: (قبل الفجر، إنّهما من صلاة الليل، ثلاث عشرة ركعة صلاة الليل، أتريد أن تقايس، لو كان عليك من شهر رمضان أكنت تتطوّع؟ إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة)(٢٩).
وقد قرّب السيّد الخوئي S الاستدلال بها بأنّ الأمر بالبدأة بالفريضة بعد دخول وقتها كالصريح في النهي عن التطوّع في وقت الفريضة، ثمّ إنّ المنع عن صوم النافلة لمن عليه صوم فريضة منع تحريم، فيكون المنع هنا كذلك.
لكنّه S ردّه بقوله: (إنّها وإن كانت ظاهرة في المنع إلّا أنّ موردها خصوص نافلة الفجر، لا مطلق التطوّع، وحيث قد دلّت نصوص أُخر على جواز الإتيان بها بعد طلوع الفجر ـ حسبما تقدّم في محلّه ـ فلا جرم يحمل النهي فيها على الكراهة ومجرّد المرجوحية؛ جمعاً بين النصوص. إذاً فلا يمكن الاستدلال بها على المنع حتّى في موردها فضلاً عن التعدّي إلى سائر الموارد.
هذا، ولا يبعد أن يكون قوله g: (أتريد أن تقايس) إلخ مسوقاً لتعليم زرارة كيفية الجدل والمناظرة مع خصومه من أبناء العامّة الذين يرون جواز الإتيان بالنافلة بعد طلوع الفجر مع التزامهم بحجّية القياس، وبما هو الصواب من عدم جواز التطوّع بالصوم ممّن عليه فريضته، بالنقض عليهم بالصوم جرياً على مسلكهم، لا أنّه بصدد الاستدلال بالقياس المعلوم عدم كونه من مذهبنا، فإنّه لا سبيل للاستدلال بما هو واضح البطلان في الشريعة المقدّسة)(٣٠).
ومن النصوص التي أشار إليها y الدالّة على جواز الإتيان بالنافلة بعد طلوع الفجر صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج، قال: قال أبو عبد الله g: (صلّهما بعدما يطلع الفجر)(٣١).
وقد وافقه أحد الأعلام المعاصرين F على الجمع بينهما بحمل النهي الوارد في صحيحة زرارة على الكراهة؛ تطبيقاً لحمل الظاهر على النصّ(٣٢).
ويمكن حمل ما دلّ على الإتيان بها قبل الفجر على أفضلية ذلك وإن دلّت نصوص أخر على جواز الإتيان بها بعد الفجر، كما في صحيحة ابن الحجّاج؛ دفعاً لتوهّم تعيّن الإتيان بها قبل الفجر الناشئ من وجود روايات تدلّ على أنّ وقتها قبل طلوع الفجر، كما في صحيحة زرارة المتقدّمة.
ويمكن ترجيح الحمل الثاني بأنّ الوارد في صحيحة زرارة: (قبل الفجر)، أي أنّ وقت ركعتي الفجر قبل الفجر، والوارد في صحيحة ابن الحجّاج: (صلّهما بعدما يطلع
الفجر)، فيستقرّ التعارض بينهما، ولا يرتفع على الحمل الأوّل، إلّا إذا قلنا بأنّ المقصود من الفجر في صحيحة ابن الحجّاج هو الفجر الأوّل، والمراد منه في صحيحة زرارة هو
الفجر الثاني، وهذا المعنى غير منظور لأصحاب الحمل الأوّل.
الأخرى: موثّقة زياد بن أبي غياث، عن أبي عبد الله g، قال: سمعته يقول: (إذا حضرت المكتوبة فابدأ بها، فلا يضرّك أن تترك ما قبلها من النافلة)(٣٣).
وهذا الحديث يعدّ من الموثّق، بناءً على أنّ الموجود في السند هو زياد بن أبي غياث الذي وثّقه النجاشي(٣٤)، وأمّا لو كان الموجود هو زياد أبو عتاب ـ كما في بعض نسخ التهذيب(٣٥) ـ فهو مجهول، ما يعني الخدشة في سند الرواية، إلّا أنّ ممّا يرجّح النسخة الأولى هو أنّ الراوي عن زياد بن أبي غياث هو ثابت بن شريح الصائغ الأنباري الذي وثّقه النجاشي(٣٦)؛ فهو الراوي لكتاب زياد بن أبي غياث، كما هو واضح من طريق الشيخ والنجاشي إلى كتاب زياد(٣٧)، وهذا مطابق للطريق في روايتنا، مضافاً إلى أنّ الشيخ قد نقل الرواية نفسها في الاستبصار(٣٨) وفيها زياد بن أبي غياث، ممّا يرجّح أنّ (أبي عتاب) من سهو النسّاخ، فلا إشكال في سند الرواية.
إلّا أنّ فيها قصوراً من ناحية الدلالة، فإنّ أقصى ما تدلّ عليه هو مرجوحية النافلة في وقت الفريضة، واستحباب الابتداء بالفريضة، فلا يمكن حمل الأمر بالابتداء بالمكتوبة على الوجوب؛ إذ من المقطوع به عدم وجوب المبادرة بالفريضة في أوّل وقتها، وأنّ ترك النافلة قبل الفريضة غير قادح في صحّتها، فلا دلالة فيها على المنع، بل على هذا يكون الأولى الاستدلال بها على الجواز لا على المنع، فإنّ لسانها لسان المشروعية والجواز، كما نبّه على ذلك المحقّق السيّد الخوئي S(٣٩).
الوجه الثاني: ما دلّ على النهي عن التطوّع في وقت الفريضة، وهو جملة من الروايات:
١ـ ما رواه الشهيد في الذكرى، عن زرارة، عن أبي جعفر g: (قال رسول الله e: إذا دخل وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة حتّى يبدأ بالمكتوبة)(٤٠).
وهذه الرواية واضحة الدلالة على المطلوب، إلّا أنّ الإشكال فيها من ناحية السند، فلم تنقل في كتب الحديث، ولم نظفر بسندٍ لها لينظر تماميته وإن وصفها الشهيد بالصحّة، وظاهره أنّ له إليها طريقاً معتبراً عنده، إلّا أنّه لا ملازمة بين الصحّة عنده وبين الصحّة عندنا؛ لاحتمال استنادها إلى حدسه واجتهاده بحيث لو وصلنا مدركه لناقشنا فيه، فهي بالإضافة إلينا مرسلة، كما صرّح بذلك بعض الأعلام المحقّقين S(٤١).
٢ ـ ما رواه في الذكرى، عن زرارة أيضاً، قال: قلت لأبي جعفر g: أصلّي نافلة وعلَيّ فريضة أو في وقت فريضة؟ قال: (لا، إنّه لا تُصلّى نافلة في وقت فريضة، أرأيت لو كان عليك من شهر رمضان أكان لك أن تتطوّع حتّى تقضيه؟)، قال: قلت: لا، قال: (فكذلك الصلاة)، قال: فقايسني وما كان يقايسني(٤٢).
وقد احتمل في الجواهر(٤٣) ـ وتبعه بعض المحقّقين(٤٤) ـ أنّها صحيحة زرارة المتقدّمة في الطائفة الأولى بعينها، وقد رووها بالمعنى، كما يومئ إليه عدم ذكر هذا النصّ في الكتب الأربعة، وعلى تقدير كونها رواية أخرى فلا يمكن الاعتماد عليها؛ لنفس الإشكال السندي المتقدّم.
٣ ـ ما رواه في السرائر نقلاً عن كتاب حريز بن عبد الله، عن زرارة، قال: قال أبو جعفر g: (لا تصلّ من النافلة شيئاً في وقت الفريضة، فإنّه لا تقضى نافلة في وقت فريضة، فإذا دخل وقت فريضة فابدأ بالفريضة)(٤٥).
وتقريب دلالتها أنّ النهي عن النافلة فيها شامل بعمومه لمحلّ الكلام.
ولكن من الواضح أنّ موردها النوافل الرواتب؛ لوضوح اختصاص القضاء بها، ولا إشكال في جواز أداء الرواتب عند دخول وقت الفريضة، فلا يمكن التمسّك بعموم النهي عن النافلة فيها، فيختصّ النهي الوارد في الرواية بقضاء النافلة في وقت الفريضة.
وأمّا من ناحية السند فهذه الرواية أيضاً لا يمكن الاعتماد عليها؛ لمجهولية طريق ابن إدريس إلى كتاب حريز.
ولكن قد يقال: بأنّ كتاب حريز من الكتب المشهورة المعروفة الانتساب إلى أصحابها، فلا نحتاج إلى تصحيح طريق الشيخ ابن إدريس إليه، ويدلّ على شهرته ما ذكره الشيخ الصدوق S في مقدّمة الفقيه حيث قال: (وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعوّل وإليها المرجع، مثل كتاب حريز بن عبد الله السجستاني)(٤٦).
وورد في صحيحة حمّاد بن عيسى أنّه قال: قال لي أبو عبد الله g يوماً : (تحسن أن تصلّي يا حمّاد؟) قال: قلت: يا سيّدي، أنا أحفظ كتاب حريز في الصلاة، قال: فقال g: (لا عليك قم صلّ)(٤٧).
وذكر المجلسي الأوّل S بأنّه: (يفهم من عدم منعه g عن العمل به جواز العمل به؛ لأنّه لو كان فيه باطل لمنعه عن العمل .. قال: فقال g لا عليك) أي لا بأس عليك في العمل به، لكن (قم فصلّ) عندنا حتّى يحصل لك العلم، أو لا بأس عليك في الصلاة عندنا وإن كنت حافظاً لكتابه، والأوّل أظهر لفظاً، والثاني معنىً)(٤٨).
ويمكن الخدش فيما ذكر: بأنّ أقصى ما يدلّ عليه ذلك هو شهرة الكتاب إلى زمان الشيخ الصدوق S والزمان المقارب له، وبينه وبين زمان ابن إدريس S فاصل طويل لا نحرز فيه بقاء شهرة الكتاب بين الأصحاب، خصوصاً مع تأليف المجاميع الحديثية المبوّبة من قبل المحمّدين الثلاثة U التي اعتمدها الأصحاب، واهتموا بها، ونتيجة لذلك قلّ اهتمامهم بالأصول الأربعمائة ونسخها، بل إنّ كلَّاً من الشيخ الطوسي والنجاشي حينما ترجما له لم يذكرا أنّ كتبه من الكتب المشهورة وإن ذكرا أنّها من الأصول(٤٩).
ودعوى أنّ ابن إدريس S لمّا لم يكن عاملاً بأخبار الآحاد فاعتماده عليها كاشف عن وصولها إليه بطريق متواتر أو بما هو كالمتواتر في كونه مورثاً للقطع بالصدور، ومعه كان إخباره بمثابة الإخبار عن حسٍّ، فتكون رواياته عن حريز وأضرابه في حكم المسانيد لا المراسيل.
قد أجاب عنها السيّد الخوئي(٥٠) S بأنّ أقصى ما يترتّب على هذه الدعوى هو أنّ ابن إدريس كان معتقداً اعتقاداً باتّاً بأنّ ما وصل إليه باسم كتاب حريز كان هو كتابه حقّاً، لكن من الواضح أنّ اعتقاده حجّة له بخصوصه، ولا ينفع غيره ممّن لا يعتقد ذلك، فهو المأمور بالعمل به لا غير، ومن الضروري أنّ مجرّد قطعه بذلك الناشئ عن القرائن الحدسية الاجتهادية لا يستوجب عدّ خبره من الإخبار عن حسٍّ لتشمله أدلّة حجّية الخبر.
مضافاً إلى أنّ الشيخ ابن إدريس S كان قد أورد هذه الرواية في جملة الروايات التي رواها من كتاب حريز، ولا قرينة على عمله بها، ومن الواضح أنّه لا تنافي بين رواية خبر الواحد وبين عدم العمل به.
٤ ـ رواية نجبة، قال: قلت لأبي جعفر g: تدركني الصلاة أو يدخل وقتها فأبدأ بالنافلة؟ قال: فقال: (لا، ولكن ابدأ بالمكتوبة، واقض النافلة)(٥١).
وقد ناقش المحقّق السيّد الخوئي S في سندها باعتبار أنّ الشيخ S قد رواها عن الطاطري، عن محمّد بن مسكين، عن معاوية بن عمّار، عن نجبة، لا كما نقلها في الوسائل عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن محمّد بن مسكين، فإنّ هذا سهو من قلمه الشريف، وطريق الشيخ إلى الطاطري ضعيف(٥٢).
إلّا أنّ الشيخ S قد رواها في موضع آخر من التهذيب(٥٣) عن معاوية بن عمّار عن نجبة. وطريق الشيخ إلى معاوية بن عمّار صحيح، وهو كما ذكره في الفهرست: (أخبرنا بذلك جماعة عن أبي جعفر ابن بابويه، عن ابن الوليد، عن الصفّار، عن محمّد ابن الحسين بن أبي الخطّاب، عن ابن أبي عمير وصفوان بن يحيى، عنه)(٥٤)، كما أنّ معاوية بن عمّار ثقة(٥٥).
اللهم إلّا أن يقال: بأنّ الطريق المذكور طريق إلى اسم الكتاب والعنوان الكلّي، لا أنّه طريق الى إثبات الروايات المدونة في الكتاب.
وأمّا نجبة فالظاهر أنّه نجبة بن الحارث، وقد حكى الكشّي، عن حمدويه، عن محمّد بن عيسى، أنّه شيخ صادق كوفي صديق عليّ بن يقطين(٥٦).
وأمّا من ناحية الدلالة فإنّ الأمر بقضاء النافلة قرينة على إرادة النافلة المرتّبة من لفظ النافلة الوارد فيها؛ لاختصاص القضاء بها دون غيرها من النوافل، ومن الواضح مشروعية النافلة المرتّبة، وصحّتها في وقت الفريضة، بل هو الوقت المرسوم لها، ولا يمكن الالتزام بمدلول النهي الوارد فيها حتّى مع حمله على الكراهة؛ لوضوح استحباب النافلة المرتّبة قبل الفريضة. نعم، نافلة المغرب غير مشروعة قبل فريضتها، إلّا أنّ الإتيان بها بعد الفريضة لا يعدّ قضاءً، فإنّ وقتها بعد الفريضة، ومن هنا تكون الرواية مجملة(٥٧)، ولا بدّ من ردّ علمها إلى أهلها.
٥ ـ رواية أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله g، قال: (إذا دخل وقت صلاة مفروضة فلا تطوّع)(٥٨).
وهذه الرواية ليس في سندها من يتوقّف فيه إلّا أبا بكر الحضرمي؛ فإنّه لم ينصّ على وثاقته، إلّا أنّ ابن شهرآشوب كان قد عدّه من خواصّ أصحاب الإمام الصادق g (٥٩)، وهو مذكور في كامل الزيارات(٦٠)، وتفسير عليّ بن إبراهيم(٦١).
فلا بدّ من البناء على صحّة الرواية عند من يقول بالاعتماد على كلّ من ورد اسمه في كتاب ابن قولويه، أو في كتاب عليّ بن إبراهيم T (كما هو مبنى السيّد الخوئي)(٦٢).
وأمّا دلالتها فإنّ إطلاق النفي فيها يدلّ على نفي مشروعية النافلة في وقت الفريضة.
إلّا أنّ السيّد الخوئي S قد استقرب بأنّ المنهيّ عنه فيها هو التنفّل في وقت فضيلة الفريضة، لا الأعمّ منه ومن وقت الإجزاء؛ لأنّ المنصرف من التطوّع في مثل هذه الأخبار هو النوافل المرتّبة، وهي ممّا يقطع بجواز الإتيان بها بعد دخول وقت الفريضة وقبل الإتيان بها، فهي ـ إذاً ـ أخصّ من المدّعى(٦٣).
٦ ـ معتبرة إسماعيل الجعفي، عن أبي جعفر g، قال: (أتدري لمَ جعل الذراع والذراعان؟) قلت: لا، قال: (حتّى لا يكون تطوّع في وقت مكتوبة)(٦٤).
وإسماعيل المذكور في سندها مردّد بين إسماعيل بن جابر الجعفي، وإسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي، والأوّل له كتاب(٦٥)، وهو أكثر رواية من الثاني، فينصرف الإطلاق إليه، وقد وثّقه الشيخ في رجاله(٦٦).
ودلالة الروايات المتقدّمة هي أنّها بإطلاقها تنفي مشروعية النافلة في وقت الفريضة بألسنتها المختلفة من النهي والنفي المتعلّقين بصلاة النافلة والتطوّع في وقت الفريضة، ومقتضى إطلاق النفي والنهي الواردين في لسان الشارع هو التحريم.
٧ ـ موثّقة محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر g، قال: (قال لي رجل من أهل المدينة: يا أبا جعفر، ما لي لا أراك تتطوّع بين الأذان والإقامة كما يصنع الناس؟ قال: فقلت: إنّا إذا أردنا أن نتطوّع كان تطوّعنا في غير وقت فريضة، فإذا دخلت الفريضة فلا تطوّع)(٦٧).
وهي على قراءة ما بعد (لا) فعلاً تكون ظاهرة في الحرمة، أمّا لو قرئ اسماً فهي تدلّ على نفي المشروعية، ثمّ إنّ هذا التركيب يدلّ على العموم، كما هو مقرّر في علم الأصول(٦٨).
٨ ـ ما رواه الشيخ الصدوق S في حديث الأربعمائة عن عليّ g، قال: (لا يصلّي الرجل في وقت فريضة إلّا من عذر، ولكن يقضي بعد ذلك إذا أمكنه القضاء، قال الله تعالى: {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} يعني الذين يقضون ما فاتهم من الليل بالنهار، وما فاتهم من النهار بالليل، لا تقضي النافلة في وقت فريضة، ابدأ بالفريضة ثمّ صلّ ما بدا لك)(٦٩).
ودلالتها واضحة، وأمّا من ناحية السند فقد قال الشيخ الصدوق S حدّثني أبي، قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، قال: حدّثني محمّد بن عيسى اليقطيني، عن القاسم بن یحیی، عن الحسن بن راشد، عن أبي بصير ومحمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله g، قال: حدّثني أبي، عن جدّي، عن آبائه i أنّ أمير المؤمنين g علّم أصحابه في مجلس واحد أربعمائة باب ممّا يصلح للمسلم في دينه ودنياه ...إلخ).
والقاسم بن يحيى لم يرد فيه توثيق صريح بالرغم من أنّه معنون في كتب الرجال، بل قد ضعّفه ابن الغضائري(٧٠)، إلّا أنّه قد يقال بوثاقته ـ بغض النظر عن هذا التضعيف ـ لوجهين:
الأوّل: رواية الأجلّاء عنه، حيث روى عنه أحمد بن محمّد بن عيسى، وإبراهيم ابن هاشم، ومحمّد بن عيسى اليقطيني، كما في هذه الرواية، بل هؤلاء الثلاثة كلّهم من رواة كتابه، كما يظهر من طريق الصدوق(٧١) والشيخ(٧٢)، والنجاشي(٧٣) إليه.
الآخر: ما ذكره السيّد الخوئي S من: (أنّه لا يبعد القول بوثاقة القاسم بن يحيى؛ لحكم الصدوق بصحّة ما رواه في زيارة الإمام الحسين g، عن الحسن بن راشد، وفي طريقه إليه: القاسم بن يحيى، بل ذكر أنّ هذه الزيارة أصحّ الزيارات عنده رواية(٧٤) مع أنّ في جملة الروايات الواردة في الزيارات ما تكون معتبرة سنداً، ومقتضى حكمه مطلقاً بأنّ هذه أصحّ رواية يشمل كونها أصحّ من جهة السند أيضاً)(٧٥).
وعلى تقدير ثبوت وثاقته إلّا أنّها معارضة بتضعيف ابن الغضائري، وبناءً على الأخذ بتضعيفات ابن الغضائري(٧٦)، يقع التعارض، ويتساقطان، فلا يبقى دليل على الوثاقة.
نعم، لو قلنا بعدم ثبوت تضعيفاته ـ باعتبار التشكيك في صحّة نسبة الكتاب المتداول إلى ابن الغضائري(٧٧) ـ فلا بدّ من الأخذ بالتوثيق.
ولكن الظاهر أنّ تضعیفات ابن الغضائري ثابتة(٧٨)، فيمكن الأخذ بها.
وأمّا الحسن بن راشد فالظاهر أنّه هنا أبو محمّد مولى بني العبّاس بقرينة رواية القاسم بن يحيى عنه؛ لأنّه حفيده ويروي عنه كثيراً(٧٩)، وهو من أصحاب الإمام الصادق g (٨٠)، وفي هذه الرواية روى عن المتقدّمين من أصحاب الإمام g، ولا يحتمل أن يراد به الحسن بن راشد البغدادي الثقة(٨١)؛ باعتبار أنّه من أصحاب الإمامين الجواد والهادي h.
والحسن بن راشد لا نصّ على وثاقته، بل ضعّفه ابن الغضائري(٨٢).
نعم، ما تقدّم من الشيخ الصدوق S شامل للحسن بن راشد أيضاً، ومن هنا يقع التعارض بينه وبين تضعيف ابن الغضائري، فيتساقطان.
٩ ـ رواية أديم بن الحرّ، قال: سمعت أبا عبد الله g يقول: (لا يتنفّل الرجل إذا دخل وقت فريضة) قال: وقال: (إذا دخل وقت فريضة فابدأ بها)(٨٣).
وقد نوقش في دلالتها: بأنّ الأمر بالابتداء بالفريضة في ذيلها ليس للوجوب قطعاً، بل هو إرشاد إلى إدراك فضل الوقت، فكذا يكون النهي للإرشاد، فحيث يكون الأمر للاستحباب فكذلك النهي المقابل له للكراهة، حيث إنّ المستفاد من مجموعها هو الاهتمام بالفريضة والإرشاد لإدراك فضل وقتها، فالنهي عن النافلة يكون لعدم تفويت وقت الفضيلة، لا لمفسدة في أصل النافلة(٨٤).
ولكنّ الظاهر أنّ الأمر ورد بخطاب مستقلّ، فلا يمكن جعله قرينة على صرف النهي عن ظهوره الأوّلي.
١٠ ـ التمسّك بإطلاق ما أرسله الشيخ المفيد، عن النبيّ e: (لا صلاة لمن عليه صلاة)(٨٥)، وقد رواه الشيخ الطوسي(٨٦) أيضاً، وبما ورد في نهج البلاغة من قوله g: (لا قربة بالنوافل إذا أضرّت بالفرائض)(٨٧) فهي تدلّ بعمومها على المنع من النافلة في وقت الفريضة، خرجت منها الرواتب اليومية بالدليل، فيبقى الباقي داخلاً تحت العموم.
وفيه: أمّا النبويّ فهو مرسل ولا جابر له، وأمّا رواية نهج البلاغة فغير واضحة الدلالة؛ لأنّ الإضرار إنّما يصدق إذا كان الإتيان بالنافلة موجباً لفوت الفريضة.
الوجه الثالث: ما ورد بلسان النهي عن التطوّع لمن عليه قضاء فريضة، كما في صحيحة زرارة، عن أبي جعفر g، أنّه سئل عن رجل صلّى بغير طهور، أو نسي صلاة لم يصلّها، أو نام عنها، فقال: (يقضيها إذا ذكرها في أيّة ساعة ذكرها من ليل أو نهار، فإذا دخل وقت الصلاة ولم يتمّ ما قد فاته فليقض ما لم يتخوّف أن يذهب وقت هذه الصلاة التي قد حضرت، وهذه أحقّ بوقتها، فليصلّها، فإذا قضاها فليصلّ ما قد فاته ممّا قد مضى، ولا يتطوّع بركعة حتّى يقضي الفريضة كلّها)(٨٨).
وهي بعد أن دلّت على النهي عن التطوّع لمن عليه قضاء فريضة فدلالتها على النهي عن التطوّع لمن عليه فريضة أدائية بطريق أولى(٨٩).
وفيه: أنّ الأولوية ممنوعة ـ خصوصاً على القول بالمضايقة في القضاء كما هو رأي جملة من الأعلام(٩٠) ـ فالمذكور في الرواية حكم تعبّدي، فلا يمكن القطع بالأولوية في المقام، حتّى يستكشف منها الحكم الشرعي.
الوجه الرابع: الإجماع الذي ادّعاه المحقّق بظاهر عبارته في المعتبر، حيث قال: (تصلّى الفرائض أداءً وقضاءً ما لم تتضيّق الحاضرة، والنوافل ما لم يدخل وقت الفريضة، و هو مذهب علمائنا، وأمّا الفرائض فعليه إجماع أهل العلم)(٩١).
ولا يخفى أنّ الإجماع المدّعى محتمل المدركية إن لم يكن مدركياً.
ويمكن إبراز احتمال أنّ سبب ذهاب القدماء إلى القول بالحرمة هو التزامهم بمنع تأخير الفريضة عن وقت الفضيلة اختياراً، كما هو المعروف من مذهب الشيخين في المقنعة(٩٢) والمبسوط(٩٣).
أدلّة القول الثاني
وقد استُدلّ للجواز بستّة وجوه:
الوجه الأوّل: ما دلّ على جواز التطوّع وقت الفريضة ما لم يخف فوات وقت فضيلتها، وهذا ما ورد في موثّقة سماعة، قال: سألته عن الرجل يأتي المسجد وقد صلّى أهله أيبتدئ بالمكتوبة أو يتطوّع؟ فقال: (إن كان في وقت حسن فلا بأس بالتطوّع قبل الفريضة، وإن كان خاف الفوت من أجل ما مضى من الوقت فليبدأ بالفريضة، وهو حقّ الله Q، ثمّ ليتطوّع بما شاء، ألا هو موسّع(٩٤) أن يصلّي الإنسان في أوّل دخول وقت الفريضة النوافل إلّا أن يخاف فوت الفريضة، والفضل إذا صلّى الإنسان وحده أن يبدأ بالفريضة إذا دخل وقتها ليكون فضل أوّل الوقت للفريضة، وليس بمحظور عليه أن يصلّي النوافل من أوّل الوقت إلى قريب من آخر الوقت)(٩٥).
فقد استدلّ بها القائلون بالجواز بعد حمل قوله g: (إن كان في وقت حسن) على وقت متّسع، وقوله g: (وإن كان خاف الفوت) على خوف فوت وقت الفضيلة، بقرينة ما ذكره في الحدائق(٩٦)، وقبله في الحبل المتين(٩٧) من أنّ في قوله: (وقد صلّى أهله) نوع إيماء إلى أنّه لم يمض من وقت صلاتهم إلى وقت مجيء ذلك الرجل إلّا زمان يسير؛ فإنّ (قد) تقرّب الماضي من الحال، فالرواية دالّة على المطلوب في أكثر من فقرة من فقراتها، أوّلها في قوله g: (إن كان في وقت حسن فلا بأس بالتطوّع قبل الفريضة).
ثمّ إنّ قوله: (الأمر موسّع ..) صريح في جواز الإتيان بالنافلة في وقت الفريضة، كما أنّ قوله g: (والفضل إذا صلّى الإنسان وحده ..) صريح في كون الابتداء بالفريضة وترك النافلة فضلاً لا واجباً.
وبهذا يظهر أنّ ما احتمله في الجواهر(٩٨) ـ من كون قوله: (والفضل ..) من عبارة الكليني x مع مخالفته للظاهر ـ غير قادح في الاستدلال؛ فإنّ ما تقدّمه كافٍ في إثبات المطلوب، فإنّه كالصريح في جواز التطوّع في وقت الفريضة ما لم يخف فوتها.
ثمّ إنّ هذه الزيادة موجودة برواية الشيخ لهذا الحديث من كتاب العطّار(٩٩).
وقد قرّب المحقّق الهمداني S دلالتها بقوله: (نعم، لو كانت هذه الفقرة من تتمّة الحديث ـ كما هو الظاهر ـ لكان لها نحو حكومة على الأخبار التي ورد فيها الأمر بالبدأة بالفريضة وترك النافلة عند حضور وقتها، مع ما فيها من الإشارة إلى علّة الحكم واختصاصه بما إذا لم يكن الراجح تأخيرها لانتظار الجماعة، كما أنّ في قوله g في الفقرة السابقة: (وهو حقّ الله) إشارة إلى أنّ الأمر بالبدأة بالفريضة عند خوف فواتها لأجل أهمّيّتها من النافلة، لا عدم صلاحيّة الوقت من حيث هو للنافلة، أو كون تقديم الفريضة شرطاً في صحّتها، كما هو من لوازم مذهب المانعين)(١٠٠).
إلّا أنّ المحقّق البحراني كان قد أجاب عن الاستدلال بهذه الرواية بأنّ: (إمعان النظر في معنى الرواية وسياقها صريح في إرادة النوافل الراتبة خاصّة، فأجاب الإمام g بأنّه إن كان إتيانه في وقت حسن ـ يعني يسع الراتبة ولو مخفّفة ـ فلا بأس بالتطوّع بها قبل الفريضة، وإن كان يخاف فوت الوقت ـ أي وقت فضيلة الفريضة لو اشتغل بالنافلة لما مضى من الوقت ـ فليبدأ بالفريضة)(١٠١).
ولكن من الواضح أنّ هذا الحمل لا شاهد له من الرواية، إلّا أن يقال بانصراف إطلاق النافلة للراتبة التي تتكرّر يومياً، لا سيّما مع دخول لام التعريف عليها، إلّا أنّ هذا الانصراف ناشئ من استعمال اللفظ في الفرد المتعارف، ولكن اللفظ المطلق يشمل الفرد النادر كشموله للمتعارف.
الوجه الثاني: ما دلّ على جواز التطوّع في وقت الفريضة غير أنّ الابتداء بالفريضة أفضل، وهو صحيحة محمّد بن مسلم، قال: قلت لأبي عبد الله g: إذا دخل وقت الفريضة أتنفّل أو أبدأ بالفريضة؟ فقال: (إنّ الفضل أن تبدأ بالفريضة وإنّما أخّرت الظهر ذراعاً من عند الزوال من أجل صلاة الأوّابين)(١٠٢).
فإنّها ظاهرة في جواز التطوّع في وقت الفريضة غير أنّ الابتداء بالفريضة عند دخول وقتها من باب الاستحباب، إلّا في الظهرين فإنّ وقت نافلة الظهر من الزوال إلى الذراع والعصر إلى الذراعين، كما نصّت الروايات(١٠٣)، وعليه المشهور(١٠٤).
وقوله g: (وإنّما أخّرت الظهر) يحتمل أن يكون مسوقاً لدفع التنافي بين استحباب البدأة بالفريضة عند حضور وقتها، واستحباب التنفّل قبلها في أوّل الوقت ببيان تأخّر وقتها عن أوّل الوقت بمقدار الذراع لمكان النافلة.
ويحتمل أيضاً أن يكون المقصود بيان أنّ الظهر متأخّرة عن وقتها الأصلي بمقدار ذراع، فلا ينبغي تأخيرها أزيد من ذلك.
ويحتمل أيضاً أن يكون استدراكاً عمّا تقدّمه بأن يكون المراد بالرواية بيان أنّ الفضل إنّما هو بالبدأة بالفريضة حين حضور وقتها، أي المسارعة إلى فعلها في أوّل الوقت، ولكن أخّرت الظهر بمقدار ذراع عن أوّل وقتها لأجل صلاة الأوّابين، التي هي لدى الشارع كالفرائض من المهمّات التي لا يجوز تركها، وقد صرّح بذلك كلّه المحقّق الهمداني S(١٠٥).
وقد جعل السيّد الخوئي S هذه الصحيحة شاهداً على حمل النصوص المتقدّمة الناهية عن التطوّع في وقت الفريضة على الكراهة والمرجوحية، أو على حمل النهي المتعلّق بالتنفّل في وقت الفريضة على الإرشاد إلى اختيار أفضل المتزاحمين، بعد أن كان كلّ من التطوّع والفريضة متزاحمين وكانت مصلحة أوّل الوقت أهمّ وأقوى من مصلحة التنفّل(١٠٦).
الوجه الثالث: ما ورد من الترخيص في التنفّل بعد دخول وقت الفريضة لمن ينتظر الجماعة، كما في موثّقة إسحاق بن عمّار، قال: قلت: أصلّي في وقت فريضة نافلة؟ قال: (نعم، في أوّل الوقت إذا كنت مع إمام تقتدي به، فإذا كنت وحدك فابدأ بالمكتوبة)(١٠٧).
حيث يفهم من التفصيل بين المنفرد والمقتدي صلوح الوقت للتطوّع والفريضة مع أفضلية الابتداء بالفريضة، غير أنّ انتظار الجماعة لمّا اشتمل على مصلحة أرجح من مصلحة الوقت ارتفعت المزاحمة، وتنكير النافلة يومئ إلى أنّ المراد منها غير الراتبة.
الوجه الرابع: ما ورد من تفسير الوقت الممنوع فيه التطوّع بالوقت الذي يأخذ المقيم فيه في الإقامة، فقبله لا مانع، كما في صحيحة عمر بن يزيد، أنّه سأل أبا عبد الله g عن الرواية التي يروون أنّه لا ينبغي أن يتطوّع في وقت كلّ فريضة ما حدّ هذا الوقت؟ فقال: (إذا أخذ المقيم في الإقامة)، فقال له: إنّ الناس يختلفون في الإقامة؟ قال: (المقيم الذي يصلّي معه)(١٠٨).
وقد ذكر المحقّق الهمداني S أنّ هذه الصحيحة حاكمة على الأخبار الناهية عن التطوّع في وقت الفريضة ومفسّرة لها، وظاهرها كون النهي المتعلّق به بصيغة (لا ينبغي) الظاهرة في الكراهة، ومقتضى تحديد ذلك الوقت بما إذا أخذ المقيم في الإقامة اختصاص المنع بهذه الصورة، وهذا ربّما ينافيه بعض تلك الأخبار ممّا هو نصّ في شمول المنع للمنفرد الذي لا يصلّي جماعة، فلا يبعد أن يكون المراد بهذه الصحيحة تحديد ذلك الوقت بالنظر إلى من ينتظر الجماعة، لا مطلقاً.
ويمكن إبقاء هذه الصحيحة على ظاهرها، وتنزيل الأخبار الدالّة على المنع في حقّ المنفرد على الإرشاد إلى ما هو الأصلح، كما ربّما يستشعر ذلك من بعض عبائرها، لا على الكراهة أو الحرمة، فليتأمّل.
وكيف كان فهي نصّ في جواز التطوّع بعد دخول وقت الفريضة في الجملة ولو لخصوص من ينتظر الجماعة(١٠٩).
مع أنّ أصل الرواية بلفظ (لا ينبغي) أو ما في معناه، وهو مشعر بعدم الحرمة، كما أنّ التحديد بـ(إذا أخذ المقيم في الإقامة) ـ وهو غير منضبط كما اعترف به السائل ـ لا يتلاءم مع الحكم بالحرمة التي لا تنسجم مع التسهيل.
الوجه الخامس(١١٠): التمسّك بإطلاق ما دلّ على أنّ النافلة (هدية) أو (متى شئت فأت بها) أو (في أيّ ساعة من النهار تريد أن تأتي بها) فإنّها بإطلاقها تشمل وقت الفريضة، وكذا إطلاق أدلّة تشريع أصل النوافل، كما في رواية عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله g، قال: (اعلم أنّ النافلة بمنزلة الهديّة متى ما أتي بها قبلت)(١١١)، وصحيحة محمّد بن عذافر، قال: قال أبو عبد الله g: (صلاة التطوّع بمنزلة الهديّة متى أتي بها قبلت، فقدّم منها ما شئت، وأخّر منها ما شئت)(١١٢)، ونحوها رواية عبد الأعلى مولى آل سام(١١٣)، ورواية القاسم بن الوليد الغسّاني، عن أبي عبد الله g، قال: قلت له: جعلت فداك صلاة النهار صلاة النوافل في كم هي؟ قال: (ستّ عشرة، في أيّ ساعات النهار شئت أن تصلّيها صلّيتها، إلّا أنّك إذا صلّيتها في مواقيتها أفضل)(١١٤)، ونحوها مرسلة عليّ بن الحكم(١١٥)، ورواية عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر h، قال: (نوافلكم صدقاتكم، فقدّموهن أنّى شئتم)(١١٦).
ولسان هذه الروايات يقتضي عدم كون النوافل من المؤقّتات، فتكون معارضة لما دلّ على تحديد أوقات النوافل، أو ما ورد من الأمر بقضائها، ولا سبيل إلى طرح هذه الأخبار سنداً بعد استفاضتها، ومقتضى الجمع هو حمل الروايات المؤقّتة على الأفضلية، كما تشهد له رواية القاسم بن الوليد المتقدّمة، إلّا أنّ المشهور لا يلتزمون بمشروعية النوافل قبل وقتها، فلا بدّ من التقيّد بذلك، مع الالتفات إلى أنّ غالب هذه الروايات لا إشارة فيها إلى النوافل اليومية، فيمكن حملها على النوافل المبتدأة.
الوجه السادس: الدليل العقلي(١١٧)، فإنّ العقل يمنع من الحكم بالحرمة على خصوص الصلاة في وقت الفريضة مع تجويز الإتيان بسائر المباحات، بل والمكروهات في ذلك الوقت مع أنّ الصلاة من أفضل القربات.
إلى هنا يتبيّن أنّ ما تمّ سنداً من روايات المنع هو رواية أبي بكر الحضرمي في وجه، وموثّقة محمّد بن مسلم، وصحيحة زرارة، وموثّقة نجبة إلّا أنّ الأخيرة لم تتمّ دلالتها.
وأمّا أدلّة الجواز فتمّ منها صحيحة محمّد بن مسلم، وموثّقة إسحاق بن عمّار، وصحيحة عمر بن يزيد.
وأمّا ما استدلّ به للمنع مثل ما رواه في الذكرى من رواية زرارة الأولى والثانية، وما ذكره في السرائر من رواية حريز، وما رواه الشيخ الصدوق S في حديث الأربعمائة، ورواية أديم بن الحرّ، والنبويّ الذي أرسله الشيخ المفيد S، فهذه كلّها وإن سلّمت دلالتها إلّا أنّها غير نقية سنداً، ولكنّها بمجموعها قد تشكّل نوع استفاضة، فينبغي أن يؤخذ هذا في الحسبان.
طرق الجمع بين الروايات
وبعد ذكر أدلّة الطرفين لا بدّ من البحث عن محمل للخروج به عن حالة التعارض بين هذه الروايات، وقد ذكرت عدّة محاولات للجمع بن هاتين الطائفتين من الروايات.
منها: أنّ مقتضى صناعة الإطلاق والتقييد هو تقييد الأخبار الدالّة بإطلاقها على جواز النافلة في وقت الفريضة ـ ومنها الأخبار الدالّة على تشريع النوافل ـ بالأخبار المانعة، فتكون النتيجة هو جواز النافلة ومشروعيتها إلّا في وقت الفريضة، فلا مشروعية لها، فيكون تفريغ الذمّة عن الفريضة شرطاً تعبّدياً لصحّة النافلة(١١٨).
ومن الواضح أنّ هذا الوجه من الجمع يتمّ في خصوص النوافل المبتدأة دون النوافل الراتبة، وقد عرفت شمول الأحاديث لها.
ومنها: ما ذكره الشيخ الطوسي S من حمل ما تضمّنته الأخبار من أنّ الصلاة في أوّل الوقت أفضل على الوقت الذي يلي وقت النافلة؛ لأنّ النوافل إنّما يجوز تقديمها إلى أن يمضي مقدار قدمين أو ذراع، فإذا مضى ذلك فلا يجوز الاشتغال بالنوافل، بل ينبغي أن يبدأ بالفرض، ويكون ذلك الوقت أفضل من الوقت الذي بعده(١١٩).
وأمّا ما تضمّنته الأخبار من أنّه لا تطوّع في وقت الفريضة فمحمول على أنّه لا تطوّع في وقت فريضة تضيّق وقتها، أو في وقت فريضة لم يسغ فعل النافلة فيه، على ما بيّناه من أنّه إذا مضى من الزوال قدمان أو قدم ونصف فلا نافلة، وينبغي أن يبدأ بالفريضة.
ومنها: تقييد المطلقات الدالّة على حرمة التطوّع في وقت الفريضة بما إذا كان المصلّي منفرداً، وأمّا إذا كان مأموماً ينتظر حضور الإمام فيجوز له أن يتنفّل إلى أن يحضر الإمام(١٢٠).
ويدلّ على هذا الحمل موثّقة إسحاق بن عمّار(١٢١)، وتؤيّده صحيحة عمر بن يزيد المتقدّمة أنّه سأل أبا عبد الله g عن الرواية التي يروون أنّه لا يتطوّع في وقت فريضة، ما حدّ هذا الوقت؟ قال g: (إذا أخذ المقيم في الإقامة)، فقال له: إنّ الناس يختلفون في الإقامة، فقال: (المقيم الذي يصلّي معه).
ولكن هذا لوحده غير صالح لتقييد تلك الروايات الكثيرة، كما أنّه لا يحلّ مشكلة التعارض، فإنّ التعارض على حاله بين باقي الروايات، فإنّ بعض الروايات قد تكون ظاهرة في المنفرد إن لم تكن نصّاً فيه، وقد ذكر السيّد الحكيم S أنّ مناسبة الحكم والموضوع لعلّها تساعد على حمل النهي على كونه عرضياً من جهة فضيلة الجماعة في أوّل الصلاة، لا ذاتياً ولا إرشادياً إلى نفي المشروعية ولا إلى نقصٍ في الماهية(١٢٢)، كما أنّه على التسليم به لا بدّ من تقييد حرمة التطوّع بالنسبة للمنفرد بما إذا تضيّق وقت فضيلة الفريضة، كما دلّت عليه الروايات الأُخر.
ويعضد ما ذكرنا تصريح الرياض بأنّه لا قائل بهذا التفصيل وإن احتمله بعضهم(١٢٣) في مقام الجمع بين الأخبار المختلفة(١٢٤).
ومنها: حمل الروايات الدالّة على تعجيل الفريضة أوّل الوقت على الاستحباب والفضل للقرائن الصارفة، وحمل الروايات المانعة على من يصلّي النافلة، فإنّ التنفّل جائز حتّى يصير الفيء ذراعاً، فإذا بلغ ذلك صلّى الظهر وترك النافلة، ولذا استثنى بعض فقهائنا من أفضلية أوّل الوقت مواضع، منها ما ذكره ابن فهد الحلّي S من تأخير الظهرين للمتنفّل حتّى يأتي بنافلتها، وتأخير الصبح حتّى يأتي بركعتي الفجر إن لم يكن قدّمها قبله(١٢٥).
ويدلّ على ذلك ما رواه أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي في جامعه، عن زرارة، عن أبي جعفر g، وعن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله g، قال: (كان حائط مسجد رسول الله e قامة، فإذا مضى من فيئه ذراعاً صلّى الظهر)(١٢٦).
وربّما يعترض عليه فيما لو وجدت رواية مطلقة مسوقة لبيان تحديد الوقت بلا نظر فيها إلى مقام الامتثال.
والأولى أن يجاب بأنّ المدار على مضي مقدار ما هو وظيفته الفعلية.
ومنها: ما ذهب إليه في الجواهر(١٢٧) من حمل النهي الوارد في الروايات على الكراهة بالمعنى المناسب للعبادة، بمعنى أقلّية الثواب، وحمل الأمر الوارد فيها على الندب، فيكون حاصل الأخبار ترجيح مراعاة أوّل الوقت للفريضة الذي فضله على آخر الوقت كفضل الآخرة على الدنيا؛ لوجود قرائن متّصلة ومنفصلة على عدم إرادة الحرمة من النهي، وإنّما هو إرشاد إلى إدراك فضيلة الوقت، ويشهد لذلك تحديد النوافل بوقت غير منضبط، فهو لا يصلح لإرادة الحرمة؛ لأنّها لا تنسجم مع التسهيل، لعدم اعتيادهم i على أمثال ذلك في الحرمة، وكما تشير إلى ذلك رواية إسماعيل الجعفي، عن أبي جعفر g: (أتدري لم جعل الذراع والذراعان؟) قلت: لا، قال: (حتّى لا يكون تطوّع في وقت مكتوبة)، فإنّ ظهور نصوص المنع أو أكثرها في إرادة وقت الفضيلة من وقت الفريضة لا ما يشمل وقت الإجزاء مضعّف آخر لدلالتها على التحريم.
والقرائن المنفصلة هي الأخبار الدالّة على جواز إيقاع النافلة في وقت الفريضة كما سمعتها.
فالمتحصّل من الجمع الدلالي هو مرجوحية النافلة في وقت الفريضة؛ فإنّ الأخبار المرخّصة صريحة في إرادة الفضل من الابتداء بالفريضة، كما في صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة، بينما الأخبار المانعة ظاهرة في الحرمة، فتحمل على الكراهة جمعاً بين الأدلّة، فإنّ الالتزام بالحرمة عملاً بالنصوص المانعة يقتضي طرح النصوص المجوّزة أو ما هو كالطرح، بخلاف العكس فإنّ الكراهة مجاز شائع.
ولعلّ قول القدماء بالحرمة ناشئ من قولهم بمنع تأخير الفريضة عن وقت الفضيلة اختياراً، كما هو مذهب الشيخين في المقنعة(١٢٨) والمبسوط(١٢٩).
ولا يخفى أنّ الراجح هو الحمل الذي ذكره في الجواهر من حمل النهي على الكراهة، والأوامر الواردة في الأخبار على الندب؛ فإنّ الأمر ـ كما ذكر المحقّق العراقي S(١٣٠)ـ يدور بين تخصيص النواهي بالنوافل الخاصّة الواردة في وقت الفريضة، وتخصيص مطلقات النوافل الأخر بصورة عدم كونها في وقت الفريضة ولو قضاءً، كما هو صريح بعض النصوص، أو حمل النهي المزبور على دفع توهّم تأكّد الرجحان أو المرجوحية العبادية، والالتزام ببقاء مشروعيتها على حالها.
ثمّ ذكر بأنّه لا يبعد المصير إلى الجمع الأخير بعد تخصيص النوافل اليومية منها جزماً، وربّما يشهد له قوله في بعض النصوص من: إنّ الفضل أن تبدأ بالفريضة، وفي آخر تحديد عدم التطوّع وقت الفريضة بأخذ المقيم في الإقامة الذي تصلح معه الدلالة على عدم المنع عنها قبل الإقامة، ومعلوم أنّ مثل هذا المنع لمحض درك الفضيلة المناسب لكون النهي تنزيهياً كما لا يخفى.
هذا، ولا أقلّ من قرب احتماله ولو لبعد اختصاص النهي بخصوص النوافل من الصلوات، مع جواز غيرهن في الوقت المذكور.
ثمّ هل يمكن التعدّي من النوافل إلى غيرها من المباحات، فنحكم بكراهة الإتيان بالمباحات في وقت الفريضة؟
يمكن أن يقال: بأنّ لازم حكم الفقهاء(١٣١) بتوسعة وقت أداء الصلاة لجميع الوقت المضروب لها هو جواز الإتيان بالمباحات في وقت الفريضة ما دام موسّعاً، وقد يقال: إذا حكمنا بكراهة النافلة في وقت الفريضة مع كونها راجحة في نفسها فلا بدّ من الحكم بكراهة المباح في وقتها بطريق أولى.
ولكنّك عرفت أنّ الكراهة في المقام بمعنى أقلّية الثواب في النافلة مع بقائها على ما هي عليه من الرجحان الذاتي والمطلوبية النفسية، وهي منتفية في المباحات؛ لانتفاء موضوعها أو موصوفها، فلا رجحان فيها من الأساس، مضافاً إلى أنّه على القول بأنّ الحرمة في العبادات تشريعية لا ذاتية، بمعنى أنّ الإتيان بها بقصد الأمر تشريع محرّم ـ كما ذهب إليه بعض الأعلام المعاصرين(١٣٢) ـ لا يأتي هذا الكلام حتّى على القول بتحريم النافلة في وقت الفريضة؛ إذ لا تشريع في البين.
وممّا يتفرّع على مسألتنا هو صحّة تعلّق النذر بالنافلة في وقت الفريضة، وصحّة الإجارة على النافلة في وقتها، والكلام فيهما مختصراً:
الفرع الأوّل: في صحّة نذر النافلة وقت الفريضة.
لا شبهة في صحّة النذر وجواز الإتيان بمتعلّقه في وقت الفريضة بناءً على صحّة التنفّل في وقت الفريضة، سواء كان المنذور مطلقاً أو مقيّداً بوقت الفريضة. وأمّا بناءً على عدم المشروعية فينبغي أن يقع الكلام في ما إذا كان متعلّق النذر مطلقاً، وفي ما إذا كان مقيّداً بوقت الفريضة، فالكلام يقع في صورتين:
الصورة الأولى: فيما إذا كان متعلّق النذر مطلقاً.
وهنا لا ينبغي الإشكال في الصحّة؛ لأنّ متعلّقه ـ وهو طبيعي النافلة ـ راجح شرعاً، ومقدور للناذر عقلاً وشرعاً، ولا مانع من الإتيان بالنافلة بعدئذٍ في وقت الفريضة؛ إذ إنّها بالنذر تخرج عن الاستحباب، وتتّصف بالوجوب، فلا تشملها الروايات الناهية عن التطوّع في وقت الفريضة.
ولو قيل: بأنّ نذر مطلق النافلة وإن كان صحيحاً في نفسه إلّا أنّ النافلة في وقت الفريضة خارجة عنه؛ لعدم صلاحية النذر للتعلّق بهذه الحصّة، لكونها مرجوحة بحسب الفرض.
أمكن أن يقال: بأنّ النذر إنّما تعلّق بطبيعة الصلاة، وهي إنّما تتحقّق بصرف وجود الفرد في الخارج، وكانت قد خرجت بالنذر من الاستحباب إلى الوجوب، وبالتالي فالإتيان بها في وقت الفريضة يكون من باب تقديم الفرض على الفرض.
وأمّا إشكال كونه حراماً قبل النذر فقد أجاب عنه المحقّق الهمداني S بأنّه لا يوجب صرف النذر إلى ما عداه من الأفراد؛ إذ لا يشترط في صحّة النذر المتعلّق بالطبيعة إلّا تمكّن المكلّف من إيقاعها في ضمن فرد سائغ، ومتى انعقد النذر لا يجب عليه إلّا الإتيان بتلك الطبيعة في ضمن أيّ فردٍ أحبّ ممّا لا مانع عنه شرعاً، والمفروض ارتفاع المانع عن هذا الفرد بعد صيرورته مصداقاً للواجب(١٣٣).
الصورة الأخرى: فيما إذا كان متعلّق النذر مقيّداً بوقت الفريضة.
وهذا يتصوّر على نحوين:
النحو الأوّل: أن يكون الوقت الذي قيّد به المنذور أوسع من وقت الفريضة بحيث يتمكّن من الإتيان به في زمان تكون الذمّة فارغة عنها.
وذكر المحقّق السيّد الخوئي S بأنّه لا مانع من أن تكون النافلة منذورة في هذه الحالة، وبعد انعقاد النذر والحكم بصحّته ساغ الإتيان بها حتّى قبل تفريغ الذمّة عن الفريضة(١٣٤).
إن قيل: حيث إنّ الوقت كان متعلّقاً للنذر في هذه الصورة فلا بدّ فيه من الرجحان، ولا رجحان في البين، فانعقاد النذر محلّ إشكال.
يمكن أن يقال: إنّ المتعارف كون المتعلّق للنذر هو ذات المقيّد بنحو وحدة المطلوب، والزمان وإن كان من المشخّصات إلّا أنّه إنّما يكون مشخّصاً بعرضه العريض الواقع بين الحدّين الشامل لتمام حدوده وآناته، فيصلح للانطباق على فترتين: (الأولى) منهيّ عن التطوّع فيها، وأمّا (الأخرى) فلا، وهي الواقعة بعد أداء الفريضة.
ولكن هنا يمكن أن يقال بأنّ هذه الحصّة المنهيّ عنها ـ وهي النافلة في وقت الفريضة قبل أداء الفريضة ـ خارجة عن النذر؛ لمكان النهي، فلا يمكن أن يأتي بها المكلّف أداءً للنذر.
ويجاب: بأنّ الأدلّة ظاهرة في العناوين الفعلية للأفعال، فالنهي إنّما تعلّق بما هو تطوّع بالحمل الشائع وبوصفه العنواني بحيث يكون صدوره خارجاً بداعي التطوّع، ومتّصفاً بالاستحباب في ظرف العمل، ولا شبهة في زوال هذا العنوان بعد النذر، وتحول الفعل من الاستحباب إلى الوجوب بالنذر، فيتّصف الفعل بالوجوب بالعرض حينئذ، فيكون الإتيان بالمنذور قبل الفريضة تقديم للفرض على الفرض، فيكون خارجاً عن أدلّة النهي موضوعاً.
النحو الآخر: أن يكون المنذور مقيّداً بالوقت المجعول للفريضة بحيث لا يسعه إلّا الإتيان به قبل تفريغ الذمّة عنها، كما إذا نذر ـ مثلاً ـ أن يصلّي صلاة جعفر في أوّل المغرب.
ففي هذه الحالة اختار بعض الأعلام عدم الانعقاد(١٣٥)؛ مراعاةً لاعتبار الرجحان في متعلّق النذر، وهو مفقود في المقام على القول بالنهي عن التطوّع في وقت الفريضة.
وفي المقابل هناك من ذهب الى انعقاد النذر، منهم السيّد صاحب العروة(١٣٦)، والسيّد الخوئي T، وقد استدلّ الأخير(١٣٧) لقوله بأنّ الصلاة راجحة في حدّ ذاتها، وأنّ المرجوحية إنّما نشأت من أجل تعنونها بعنوان التطوّع في وقت الفريضة، وبما أنّ هذا العنوان متقوّم بالإتيان بما لا إلزام فيه، والمفروض انقلابه بسبب النذر إلى الإلزام المزيل لذلك العنوان، فلا مانع بعد ارتفاع المانع من الالتزام بصحّة النذر، وكونه مشمولاً لإطلاقات أدلّة الوفاء به.
ولكن غير خفي أنّ أصل انعقاد النذر مرهون برجحان المتعلّق، والعنوان الذي تعلّق به النذر مرجوح بحسب الفرض، وما ذكره S يمكن أن يكون علاجاً في مرحلة الامتثال، فإنّه به يخرج المتعلّق من كونه غير مقدور شرعاً إلى كونه مقدوراً بعد انعقاد النذر، إلّا أنّ الكلام في نفس انعقاد النذر، وقد عرفت عدم انعقاده لو تعلّق بغير المشروع.
اللهم إلّا أن يقال: بأنّ المعتبر في متعلّق النذر أن يكون راجحاً شرعاً حين العمل لا حين الإنشاء، وهو بعيد؛ لدلالة صحيحة أبي الصباح الكناني عن الإمام أبي عبد الله g على ذلك، حيث قال : (ليس من شيء هو لله طاعة يجعله الرجل عليه إلّا ينبغي له أن يفي به، وليس من رجل جعل لله عليه شيئاً في معصية الله إلّا أنّه ينبغي له أن يتركه إلى طاعة الله)(١٣٨) وقد ادّعى في الشرائع ذهاب المشهور إلى عدم تعلّق النذر بالمحرّم والمكروه، بل ولا بمتساوي الطرفين(١٣٩).
لا يقال ـ كما لعلّه يلوح من عبارة المحقّق الخراساني في الكفاية(١٤٠) ـ من أنّه يكفي في صحّة النذر كون متعلّقه راجحاً ولو بنفس النذر، كما في نذر الإحرام قبل الميقات، والصوم في السفر؛ فإنّه مع لزومه الدور مخالف لصريح النصوص الواردة في المقام، ففي صحيحة أبي الصباح الكناني، قال: سألت أبا عبد الله g عن رجل قال: عليّ نذر، قال: (ليس النذر بشيء حتّى يسمّي شيئاً لله صياماً أو صدقة أو هدياً أو حجّاً)(١٤١)، وأمّا ما ذكره من الموردين فقد خرج عن مقتضى القاعدة بالنصّ وقياس المقام به قياس مع الفارق؛ إذ لا نصّ في المقام.
وهل يلحق العهد واليمين بالنذر في هذه الأحكام؟
قد يقال بعدم الإلحاق، بمعنى أنّه على القول بالمنع من التطوّع في وقت الفريضة يبقى المنع على حاله من دون تأثير للعهد واليمين في ذلك، أي لو كان متعلّق العهد أو اليمين مطلقاً وغير مقيّد بوقت الفريضة، أو مقيّداً بوقت أوسع من وقت الفريضة بحيث يتمكّن من الإتيان بالمنذور في زمانٍ تكون الذمّة فارغة عنها، فلا مانع من انعقاده، ولكن هل للمكلّف الإتيان بالمتعلّق في وقت الفريضة؟
يحتمل الإيجاب؛ لأنّها تخرج بالعهد واليمين من النفل إلى الفرض، فيكون تقديمها على الفريضة من باب تقديم الفرض على الفرض. ويحتمل السلب؛ للنهي عنها في ذلك الوقت.
وأمّا إذا كان متعلّق العهد أو اليمين مقيّداً بوقت الفريضة بحيث لا يسعه إلّا الإتيان به قبل تفريغ الذمّة عنها، فلا إشكال هنا في انعقاد العهد أو اليمين، بناءً على عدم اشتراط الرجحان في متعلّقهما؛ لأنّهما يشتركان في أن يجعل الإنسان نفسه ملزمة بشيء غاية الأمر أنّه يجعل الله سبحانه كفيلاً وشاهداً على ما التزم به، فالعهد هو عبارة عن معاهدةٍ وإقرار نفساني فيما بينه وبين الله تعالى. وأمّا اليمين فهو إنشاء التزام بشيء مربوط بالله تعالى، فهما ليسا كالنذر، فإنّ الناذر يجعل الله سبحانه طرفاً لجعله، بأن يجعل الناذر على نفسه شيئاً لله سبحانه.
ولكن المحقّق S في الشرائع بنى على عدم انعقاد اليمين فيما إذا كان متعلّقها مرجوحاً شرعاً. وأمّا العهد فالمعتبر فيه أن لا يكون مرجوحاً شرعاً مع كونه راجحاً بحسب الأغراض الدنيوية العقلائية، أو مشتملاً على مصلحة دنيوية شخصية(١٤٢).
وعليه يكون العهد واليمين ملحقاً بالنذر في الحكم المتقدّم.
الفرع الآخر: في صحّة الإجارة على النافلة في وقت الفريضة.
والإشكال المطروح في المقام هو أنّه على القول بحرمة التطوّع في وقت الفريضة فلا بدّ من البناء على بطلان الإجارة؛ لوقوعها على أمر محرّم شرعاً، ومعها يخرج هذا الفعل عن سلطنة الأجير، فلا يكون مالكاً له شرعاً، فيكون أكل الثمن في مقابله أكلاً للمال بالباطل.
وقد أجيب عن ذلك بأنّ الصحيح هو صحّة الإجارة؛ لعدم الحرمة لا على الأجير ولا على المستأجر، أمّا الأجير فإنّه يكون أجيراً على الإتيان بنافلة الغير في وقت فريضته، والنهي إنّما تعلّق بالإتيان بنافلة نفسه في وقت فريضته، وأمّا المستأجر فأيضاً هو منهيّ عن الإتيان بنافلته بنفسه في وقت الفريضة، ولم يتعلّق النهي باستئجار الغير لأن يتنفّل عنه، ولذا ذكر بعض الأعلام بأنّ: (الظاهر عدم البأس بالتطوّع عند اشتغال الذمّة بصلاة عرض لها الوجوب بإجارة أو نذر وشبهه؛ فإنّ لفظ الفريضة ـ التي نهي عن التطوّع في وقتها ـ بحسب الظاهر منصرف عمّا كان وجوبها بالعناوين الطارئة لا بعنوان كونها صلاة، هذا مع خروج مثل الفرض عمّا هو المفروض موضوعاً في معظم تلك الأخبار، كما لا يخفى)(١٤٣)(١٤٤).
ولكن لا بدّ من الالتفات إلى أنّ من جملة ما تمسّك به القائلون بمنع التطوّع في وقت الفريضة هو الروايات الآمرة بالبدء بالفريضة، والأجير مشمول لها، ويعتبر في صحّة الإجارة تمكّن الأجير من العمل الذي استؤجر عليه، وهو غير حاصل في محلّ الكلام، فالأجير غير متمكّن شرعاً من أداء العمل، فتبطل الإجارة.
وعلى هذا فلا بدّ من أن يلتزموا بعدم صحّة الإجارة.
وأمّا إذا لم نفهم الوجوب من الأمر الوارد فيها، ولا المنع من التطوّع في وقتها فنحن في سعة من هذه الجهة.
تذنيب
حكم التطوّع بالنافلة لمن عليه قضاء صلاة الفريضة
ذكروا بأنّ المشهور(١٤٥) هو المنع من التطوّع لمن عليه قضاء فريضة، واستدلّ لذلك بعدّة أدلّة:
منها: النبويّ المرسل المتقدّم، وهو قوله e: (لا صلاة لمن عليه صلاة)، ورواية نهج البلاغة: (لا قربة بالنوافل إذا أضرّت بالفرائض).
وقد تقدّم النقاش في سند النبويّ، وأمّا رواية النهج فتقدّم أنّ الإضرار إنّما يتحقّق في ما إذا كان الإتيان بالنافلة موجباً لفوت الفريضة مطلقاً، ولا يستفاد من الرواية الحرمة في غير هذه الصورة، مع ظهور الروايتين في الصلاة الأدائية.
ومنها: صحيحة يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله g، قال: سألته عن الرجل ينام عن الغداة حتّى تبزغ الشمس، أيصلّي حين يستيقظ، أو ينتظر حتّى تنبسط الشمس؟ فقال: (يصلّي حين يستيقظ)، قلت: يوتر أو يصلّي ركعتين؟ قال: (بل يبدأ بالفريضة)(١٤٦).
فإنّ الأمر بالبدأة بالفريضة ظاهر في عدم مشروعية النافلة ممّن عليه الفريضة القضائية.
وناقش فيها السيّد الخوئي S بأنّ موردها إنّما هو صلاة الغداة، والتعدّي عنها إلى غيرها بعد احتمال الاختصاص بها يحتاج إلى دليل، وإذ لا دليل فلا سبيل إلى الاستدلال بها على عدم المشروعية بقول مطلق، كما هو المدّعى(١٤٧).
ومنها: ما رواه في الذكرى، عن زرارة، قال: قلت لأبي جعفر g: أصلّي نافلة وعليّ فريضة أو في وقت فريضة؟ قال: (لا، إنّه لا تصلّى نافلة في وقت فريضة، أرأيت لو كان عليك من شهر رمضان أكان لك أن تتطوّع حتّى تقضيه؟) قال: قلت: لا. قال: (فكذلك الصلاة). قال: فقايسني، و ما كان يقايسني(١٤٨).
وتقدّمت المناقشة في سندها، وأنّها بحكم المرسلة بالنسبة إلينا.
ومنها: صحيحة زرارة، عن أبي جعفر g، أنّه سئل عن رجل صلّى بغير طهور، أو نسي صلاة لم يصلّها، أو نام عنها، فقال: (يقضيها إذا ذكرها في أيّة ساعة ذكرها من ليل أو نهار، فإذا دخل وقت الصلاة ولم يتمّ ما قد فاته فليقض ما لم يتخوّف أن يذهب وقت هذه الصلاة التي قد حضرت، وهذه أحقّ بوقتها، فليصلّها فإذا قضاها فليصلّ ما قد فاته ممّا قد مضى، ولا يتطوّع بركعة حتّى يقضي الفريضة كلّها)(١٤٩).
وذكر السيّد الخوئي S بأنّها أهمّ ما استدلّ به في الباب؛ لصحّتها سنداً، وصراحتها دلالةً، إلّا أنّه ذكر بأنّ النهي عن التطوّع لم يكن حكماً مستقلَّاً جديداً، وإنّما هو متفرّع على الأمر بالقضاء وثبوت التضييق فيه، فإنّ من توابعه المنع من التطوّع، فإذا كان الأمر المزبور محمولاً على الاستحباب، كما هو مقتضى القول بالمواسعة ـ وهو الصواب ـ فلا جرم كان النهي المذكور محمولاً على التنزيه، فتصحّ النافلة وإن كانت مكروهة.
بل الأمر كذلك حتّى على القول بالمضايقة؛ إذ لا يكاد يستفاد من الصحيحة شرطية الفراغ عن القضاء في صحّة النافلة بوجه، بل غايته المزاحمة بينهما، ولزوم تقديم القضاء، فلو خالف وقدّم النافلة أمكن تصحيحها بالترتّب وإن كان عاصياً في التأخير، فهي إذن مشروعة ومحكومة بالصحّة على كلّ تقدير(١٥٠).
ولكن ما ذكره من تفرّع النهي عن التطوّع على الأمر بالقضاء ليس ظاهراً من الصحيحة، ومن هنا ذكر بعض الأعلام المعاصرين بأنّ: (الظاهر أنّ النهي إرشاد إلى أنّ صحّة الإتيان بالتطوّعية مشروط بفراغ الذمّة عن القضاء؛ إذ لا يمكن أن يكون النهي نهياً مولوياً، وذلك من باب أنّ العبادة لا يمكن أن تكون محرّمة ذاتاً، والنتيجة أنّه لا بأس بدلالة الصحيحة على المدّعى)(١٥١).
ثمّ ذكر أنّه لا بدّ من رفع اليد عن هذا الظهور، وحمل النهي الوارد فيها على الإرشاد إلى قلّة الثواب في هذه الحالة، بقرينة النصوص الدالّة على مشروعية الإتيان بالنافلة قبل الفريضة. واحتمال الخصوصية للصلاة الأدائية ـ فلا يكون اشتغال الذمّة بها مانعاً عن الإتيان بالنافلة ـ دون الصلاة القضائية غير محتمل، بل الأمر بالعكس جزماً، فإذا لم يكن
اشتغال الذمّة بالأدائية الواجبة مانعاً عن صحّة الإتيان بالنافلة لم يكن اشتغال الذمّة بالقضاء مانعاً عن صحّة الإتيان بالنافلة بطريق أولى عرفاً.
وفي المقابل فقد استدلّ القائل بالجواز بعدّة أدلّة:
منها: موثّقة أبي بصير، عن أبي عبد الله g، قال: سألته عن رجل نام عن الغداة حتّى طلعت الشمس؟ فقال: (يصلّي ركعتين، ثمّ يصلّي الغداة)(١٥٢).
وهي صريحة في الدلالة على المطلوب، إلّا أنّ موردها صلاة الغداة، ومن الجائز اختصاص الحكم بها، إلّا أنّه لا قائل بالفرق.
ومنها: ما رواه عليّ بن موسى بن طاووس في كتاب (غياث سلطان الورى)، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر g، قال: قلت له: رجل عليه دين من صلاة قام يقضيه فخاف أن يدركه الصبح ولم يصلّ صلاة ليلته تلك؟ قال: (يؤخّر القضاء، ويصلّي صلاة ليلته تلك)(١٥٣).
وهي واضحة الدلالة إلّا أنّ فيها إشكالاً سندياً؛ إذ لم نعثر على طريق ابن طاووس إلى حريز.
ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله g، قال: سمعته يقول: (إنّ رسول الله e رقد فغلبته عيناه، فلم يستيقظ حتّى آذاه حرّ الشمس، ثمّ استيقظ، فعاد ناديه ساعة، وركع ركعتين، ثمّ صلّى الصبح، وقال: يا بلال، ما لك؟ فقال بلال: أرقدني الذي أرقدك يا رسول الله، قال: وكره المقام، وقال: نمتم بوادي الشيطان)(١٥٤).
وما تضمّنه هذا الحديث من حكاية نوم النبيّ e عن الفريضة، والتصريح باستناد ذلك إلى الشيطان لا يمكن التمسّك به؛ لمنافاته للعصمة، فإنّ العقيدة لا تثبت بخبر الآحاد.
وقد حمل الشيخ S ركعتي النبيّ e قبل الفريضة على صورة انتظار اجتماع الناس لصلاة الجماعة، إلّا أنّه لا إشعار فيه بذلك.
ومنها: ما رواه الشهيد في الذكرى، عن زرارة، عن أبي جعفر g، قال: قال رسول الله e: (إذا دخل وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة حتّى يبدأ بالمكتوبة)، قال: فقدمت الكوفة، فأخبرت الحكم بن عتيبة وأصحابه، فقبلوا ذلك منّي، فلمّا كان في القابل لقيت أبا جعفر g، فحدّثني: (أنّ رسول الله e عرّس في بعض أسفاره وقال: من يكلؤنا؟ فقال بلال: أنا، فنام بلال، وناموا حتّى طلعت الشمس، فقال: يا بلال، ما أرقدك؟ فقال: يا رسول الله، أخذ بنفسي الذي أخذ بأنفاسكم، فقال رسول الله e: قوموا فتحوّلوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة، وقال: يا بلال، أذّن، فأذّن، فصلّى رسول الله e ركعتي الفجر، وأمر أصحابه فصلّوا ركعتي الفجر، ثمّ قام فصلّى بهم الصبح، ثمّ قال: من نسي شيئاً من الصلاة فليصلّها إذا ذكرها، فإنّ الله a يقول: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي})، قال زرارة: فحملت الحديث إلى الحكم وأصحابه، فقال: نقضت حديثك الأوّل، فقدمت على أبي جعفر g، فأخبرته بما قال القوم، فقال: (يا زرارة، ألا أخبرتهم أنّه قد فات الوقتان جميعاً، وأنّ ذلك كان قضاء من رسول الله e)(١٥٥).
وهذه الرواية تصلح محملاً للجمع بين الروايات؛ فإنّها قد فصّلت بين الأداء والقضاء، ففي صورة الأداء تنهى الرواية عن النافلة في وقت الفريضة، بينما هي تنقل فعل رسول الله e للنافلة قبل الفريضة في الصلاة القضائية، وهو يدلّ على جواز تقديمها عليها.
ولكنّ الظاهر أنّه لا قائل بالفرق بين المسألتين، كما صرّح به في الرياض(١٥٦)، كما أنّ هذا الجمع لا يحلّ المشكلة مع صحيحة يعقوب بن شعيب؛ فإنّها ظاهرة في من يصلّي منفرداً، بل لا يبعد أن يكون موردها ذلك، وهي ظاهرة في عدم مشروعية النافلة ممّن عليه الفريضة القضائية.
إلّا أنّ ما ذكر يمكن المناقشة فيه بأنّ الثابت أنّ كلّ من قال بالجواز في المسألة الأولى قال بالجواز في المسألة الثانية، والرواية أثبتت القول بالمنع في المسألة الأولى دون الثانية، وأمّا صحيحة يعقوب بن شعيب فإنّها مبتلاة بالمعارض في موردها، فهي معارضة بموثّقة أبي بصير، ولا بدّ من حمل الصحيحة على كراهة التنفّل لمن عليه قضاء فريضة، فالأمر بالبدأة بالفريضة فيها محمول على استحباب المبادرة والمسارعة إلى الخروج عن عهدة الواجب؛ فإنّ الموثّقة نصّ في الجواز.
وهذا هو سبيل الجمع بين الروايات المتعارضة، وعلى هذا لا بدّ من حمل التفصيل في رواية زرارة ـ التي نقلها في الذكرى ـ على أنّ تقديم النافلة على الفريضة الأدائية أشدّ كراهةً من تقديمها على الفريضة القضائية، ولعلّ هذا لأجل تفويت وقت الفضيلة في الأوّل دون الثاني(١٥٧).
والله العالم بحقائق الأمور، وله الحمد أوّلاً وآخراً.
مصادر البحث
القرآن الكريم.
(١)المهذّب: ١/٧٢.
(٢)المقنعة: ٢١٢.
(٣)يلاحظ: النهاية: ٦٢.
(٤)المبسوط:١/١٢٨.
(٥) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: ٨٤.
(٦) السرائر : ١/ ٢٠٣.
(٧) مدارك الأحكام:٣/ ٨٩ ـ ٩٠.
(٨)المعتبر: ٢/٦٠.
(٩) تذكرة الفقهاء: ٢/٣٦٤.
(١٠)يلاحظ: جامع المقاصد: ٢/٢٣ ـ ٢٤.
(١١)يلاحظ: مجمع الفائدة والبرهان: ٢/٤٢.
(١٢)ذكرى الشيعة: ٢/٤٠٢.
(١٣) المصدر السابق: ٢/٤٠٣.
(١٤)أورده الشيخ مرسلاً في المبسوط والخلاف، يلاحظ: المبسوط: ١/١٢٧، الخلاف: ١/٣٨٦.
(١٥) يلاحظ: العروة الوثقى: ٢/ ٢٤٨ وما بعدها.
(١٦)كما في رواية نجبة عن أبي جعفر g، قلت له: تدركني الصلاة أو يدخل وقتها فأبدأ بالنافلة؟ قال: فقال: (لا، ولكن ابدأ بالمكتوبة، واقض النافلة)، تهذيب الأحكام: ٢/ ١٧٨، ح٦٦٢. وكذلك ما رواه الشيخ الصدوق y عن أمير المؤمنين g في حديث الأربعمائة وسيأتي ذكره.
(١٧)يلاحظ: مصباح الفقيه: ٩/ ٣٢٠ ـ ٣٢١.
(١٨)يلاحظ: ذكرى الشيعة: ٢/٤٠٣.
(١٩) مصباح الفقيه: ٩/٣٢٥
(٢٠) كتاب الصلاة (السيّد جمال الدين الكلبايكاني): ١/ ١١٣.
(٢١) يلاحظ: المعتبر: ٢/ ٦٠.
(٢٢) يلاحظ: نهاية الإحكام: ١/ ٣٢٥، قواعد الأحكام: ١/ ٢٤٧، تذكرة الفقهاء: ٢/ ٣٦٤.
(٢٣)يلاحظ: الحدائق الناضرة: ٦/ ٢٥٨، رياض المسائل: ٢/ ٦٢.
(٢٤)يلاحظ: مدارك الأحكام: ٣/ ٨٨، الحدائق الناضرة: ٦/ ٢٥٥.
(٢٥) يلاحظ: المعتبر: ٢/ ٦٠.
(٢٦) يلاحظ: روض الجنان: ٢/ ٣٦.
(٢٧) يلاحظ: الدروس: ١/ ١٤٢، روض الجنان: ٢/ ٣٨.
(٢٨) يلاحظ: الدروس: ١/ ١٤٢.
(٢٩) تهذيب الأحكام: ٢/ ١٤١ـ ١٤٢، ح٥١٣.
(٣٠) موسوعة الإمام الخوئي S: ١١/ ٣٢٣ ـ٣٣٣.
(٣١)تهذيب الاحكام: ٢/ ١٤٣، ح٥٢٣.
(٣٢) يلاحظ: المباحث الفقهية (أوقات الصلاة): ٣/ ٢٨٩.
(٣٣) تهذيب الأحكام: ٢/ ٢٦٥، ح٩٨٤.
(٣٤) يلاحظ: رجال النجاشي: ١٧١ـ١٧٢.
(٣٥) كما في ظاهر النسخة التي نقل عنها في الوسائل، يلاحظ: وسائل الشيعة: ٤/ ٢٢٧.
(٣٦) يلاحظ: رجال النجاشي: ١١٦.
(٣٧) يلاحظ: رجال النجاشي: ١٧١ ـ ١٧٢، الفهرست: ١٣٢.
(٣٨) يلاحظ: الاستبصار: ١/ ٢٥٣، ح٩٠٧.
(٣٩) يلاحظ: موسوعة الإمام الخوئي S: ١١/ ٣٢٩.
(٤٠) ذكرى الشيعة: ٢/ ٤٢٢.
(٤١) يلاحظ: موسوعة الإمام الخوئي S: ١١/ ٣٢٥.
(٤٢) ذكرى الشيعة :٢/ ٤٢٤.
(٤٣) يلاحظ: جواهر الكلام: ٧/ ٢٤٨.
(٤٤) يلاحظ: مصباح الفقيه: ٩/ ٣١٨.
(٤٥) السرائر: ٣/ ٥٨٦.
(٤٦) من لا يحضره الفقيه: ١/ ٣.
(٤٧) من لا يحضره الفقيه: ١/ ٣٠٠، ح٩١٥.
(٤٨) روضة المتّقين : ٢/ ٢٦٢.
(٤٩) يلاحظ: الفهرست: ١١٨، رجال النجاشي: ١٤٥.
(٥٠) يلاحظ: موسوعة الإمام الخوئي S: ١١/ ٣٢٧.
(٥١) تهذيب الأحكام: ٢/ ١٧٨، ح٦٦٢.
(٥٢) يلاحظ: موسوعة الإمام الخوئي S: ١٩/ ٣٣٠.
(٥٣) يلاحظ: تهذيب الأحكام:٢/ ٢٦٤، ح٩٨٣.
(٥٤) الفهرست: ١٦٦.
(٥٥) يلاحظ: رجال النجاشي: ٤١١.
(٥٦) يلاحظ: اختيار معرفة الرجال: ٢/ ٧٤٨.
(٥٧)يلاحظ: المباحث الفقهية (أوقات الصلاة): ٣/ ٣٠١.
(٥٨) تهذيب الأحكام: ٢/ ١٧٧، ح٦٦٠.
(٥٩) يلاحظ: مناقب آل أبي طالب: ٤/ ٢٨١.
(٦٠) يلاحظ: كامل الزيارات: ٨.
(٦١) يلاحظ: تفسير القمّي: ١/ ١٦٢.
(٦٢) يلاحظ: معجم رجال الحديث: ١/ ٤٩ ـ ٥٠.
(٦٣) يلاحظ: موسوعة الإمام الخوئيS: ١١/ ٣٣١.
(٦٤) وسائل الشيعة:٤/ ٢٢٩، الباب ٣٥ من أبواب المواقيت، ح١١
(٦٥) يلاحظ: رجال النجاشي:٣٣.
(٦٦) يلاحظ: رجال الطوسي: ١٢٤.
(٦٧) تهذيب الأحكام: ٢/ ١٧٧ـ ١٧٨، ح٦٦١.
(٦٨) يلاحظ: موسوعة الإمام الخوئي S: ٤٦/ ٣٠٥ وما بعدها.
(٦٩) الخصال: ٦٢٨.
(٧٠) يلاحظ: رجال ابن الغضائري: ٨٦.
(٧١) يلاحظ: من لا يحضره الفقيه:٤/ ٤٩٠.
(٧٢) يلاحظ: الفهرست: ٢٠٢.
(٧٣)يلاحظ: رجال النجاشي: ٣١٦.
(٧٤) يلاحظ: من لا يحضره الفقيه: ٢/ ٥٩٥ ـ ٥٩٨، ذيل ح٣٢٠٠.
(٧٥) معجم رجال الحديث: ١٥/ ٦٨.
(٧٦) يلاحظ: رجال ابن داود: ٢٥.
(٧٧) يلاحظ: بحار الأنوار: ١/ ٤١.
(٧٨) يلاحظ: قبسات من علم الرجال: ٢/ ٨٨.
(٧٩) يلاحظ: معجم رجال الحديث: ٥/ ٣١٢ ـ ٣١٣.
(٨٠) يلاحظ: رجال الطوسي: ١٨١.
(٨١) يلاحظ: معجم رجال الحديث: ٥/ ٣١٣.
(٨٢) يلاحظ: رجال ابن الغضائري: ٤٩.
(٨٣) تهذيب الأحكام: ٢/ ١٧٨، ح٦٦٣.
(٨٤) يلاحظ: كتاب الصلاة (السيّد جمال الدين الكلبايكاني): ١/ ١١٣.
(٨٥) عدم سهو النبيّ: ٢٨.
(٨٦) يلاحظ: الخلاف: ١/ ٣٨٦.
(٨٧) نهج البلاغة: ٤٧٥.
(٨٨) تهذيب الأحكام: ٢/ ٢٨٥، ح١٠٥٩.
(٨٩) يلاحظ: موسوعة الإمام الخوئي S: ١١/ ٣٢٤.
(٩٠) يلاحظ: المقنعة: ٢١١، المبسوط: ١/ ١٢٧، ونسبه في الحدائق الناضرة: ٦/ ٣٣٦ إلى الأكثر.
(٩١) المعتبر: ٢/ ٦٠.
(٩٢) يلاحظ: المقنعة: ٩٤.
(٩٣) يلاحظ: المبسوط: ١/ ٧٢.
(٩٤) في الوافي: ٧/ ٣٦٢، (الأمر موسّع).
(٩٥) الكافي: ٦/ ٧٤ ـ ٧٥، باب التطوّع في وقت الفريضة..، ح٣.
(٩٦) يلاحظ: الحدائق الناضرة: ٦/ ٢٦٤.
(٩٧) يلاحظ: الحبل المتين: ١٥٣.
(٩٨) يلاحظ: جواهر الكلام: ٧/ ٢٤٣.
(٩٩) يلاحظ: تهذيب الأحكام: ٢/ ٢٨٣، ح١٠٥١.
(١٠٠) مصباح الفقيه: ٩/ ٣٢٥.
(١٠١) الحدائق: ٦/ ٢٦٤.
(١٠٢) الكافي: ٦/ ٧٦، باب التطوّع في قوت الفريضة..، ح٥.
(١٠٣) يلاحظ: وسائل الشيعة: ٤/ ١٤١.
(١٠٤) يلاحظ: موسوعة الإمام الخوئي S: ١١/ ٢٣٨.
(١٠٥) يلاحظ: مصباح الفقيه: ٩/ ٣٢٦.
(١٠٦) يلاحظ: موسوعة الإمام الخوئي S: ١١/ ٣٣٦.
(١٠٧) تهذيب الأحكام: ٢/ ٢٨٣، ح١٠٥٢.
(١٠٨) من لا يحضره الفقيه: ١/ ٣٨٥، ح١١٣٦.
(١٠٩) يلاحظ: مصباح الفقيه: ٩/ ٣٢٦.
(١١٠) يلاحظ: كتاب الصلاة (السيّد جمال الدين الكلبايكاني): ١/ ١١٢.
(١١١) الوسائل: ٤/ ٢٣٢، الباب٣٧ من أبواب المواقيت، ح٣.
(١١٢) تهذيب الأحكام: ٢/ ٢٨٧، ح١٠٦٦.
(١١٣) يلاحظ: تهذيب الأحكام: ٢/ ٢٨٦، ح١٠٦٥.
(١١٤) تهذيب الأحكام: ٢/ ٢٨٦، ح١٠٦٣.
(١١٥) يلاحظ: تهذيب الأحكام: ٢/ ٢٨٦، ح١٠٦٤.
(١١٦) وسائل الشيعة: ٤/ ٢٣٤، الباب٣٧ من أبواب المواقيت، ح٩.
(١١٧) يلاحظ: كتاب الصلاة (السيّد جمال الدين الكلبايكاني): ١/ ١١٧.
(١١٨) يلاحظ: كتاب الصلاة (السيّد جمال الدين الكلبايكاني): ١/ ١١٣.
(١١٩) يلاحظ: الاستبصار: ١/ ٢٥٣، ٢٥٥.
(١٢٠) يلاحظ: كتاب الصلاة (السيّد جمال الدين الكلبايكاني): ١/ ١١٦.
(١٢١) تهذيب الأحكام: ٢/ ٢٨٣، ح١٠٥٢.
(١٢٢) يلاحظ: مستمسك العروة الوثقى: ٥/ ١٣٦.
(١٢٣) يلاحظ: تهذيب الأحكام: ٢/ ٢٦٥ ـ ٢٦٦.
(١٢٤) يلاحظ: رياض المسائل: ٢/ ٦٥.
(١٢٥) يلاحظ: المهذّب البارع: ١/٢٩٩.
(١٢٦) يلاحظ: الكافي: ٣/ ٢٩٥، باب بناء مسجد النبيّ e، ح١.
(١٢٧) يلاحظ: جواهر الكلام: ٧/ ٢٥٠، وقال بمضمونه المحقّق العراقي، يلاحظ: شرح تبصرة المتعلّمين: ١/ ٣٨٤.
(١٢٨) يلاحظ: المقنعة: ٩٤.
(١٢٩) يلاحظ: المبسوط: ١/ ٧٢.
(١٣٠) يلاحظ: شرح تبصرة المتعلّمين: ١/ ٣٨٤.
(١٣١) يلاحظ: العروة الوثقى: ٢/ ٢٤٨ وما بعدها.
(١٣٢)يلاحظ: المباحث الفقهية (أوقات الصلاة): ٣/ ٣٢٩.
(١٣٣) يلاحظ: مصباح الفقيه: ٩/ ٣٤٨.
(١٣٤) يلاحظ: موسوعة الإمام الخوئي S: ١١/ ٣٤٧.
(١٣٥) يلاحظ: جواهر الكلام: ٧/ ٢٥٦، مصباح الفقيه: ٩/ ٣٤٩.
(١٣٦) يلاحظ: العروة الوثقى: ٢/ ٢٢.
(١٣٧) يلاحظ: موسوعة الإمام الخوئي S: ١١/ ٣٤٨ ـ ٣٤٩.
(١٣٨) تهذيب الأحكام: ٨/٣١٢.
(١٣٩) يلاحظ: شرائع الإسلام: ٣/١٦٤.
(١٤٠)يلاحظ: كفاية الأصول: ٢٢٥.
(١٤١)الكافي: ٧/ ٤٥٥، باب النذور، ح٢.
(١٤٢) يلاحظ: شرائع الإسلام: ٢/ ١٥٢.
(١٤٣) مصباح الفقيه: ٩/ ٣٤٧.
(١٤٤) قد أورد الإشكال والجواب عنه السيّد جمال الدين الكلبايكاني في كتاب الصلاة: ١/ ١٢٦ ـ ١٢٧.
(١٤٥) يلاحظ: موسوعة الإمام الخوئي S: ١١/ ٣٣٧.
(١٤٦) الاستبصار: ١/ ٢٨٦، ح١٠٤٧.
(١٤٧) يلاحظ: موسوعة الإمام الخوئي S: ١١/ ٣٤٠.
(١٤٨) ذكرى الشيعة :٢/ ٤٢٤.
(١٤٩) تهذيب الأحكام: ٢/ ٢٨٥، ح١٠٥٩.
(١٥٠) يلاحظ: موسوعة الإمام الخوئي S: ١١/ ٣٤٣.
(١٥١)المباحث الفقهية (أوقات الصلاة): ٣/ ٣٢٨ وما بعدها بتصرّف.
(١٥٢) تهذيب الأحكام: ٢/ ٢٨٥، ح١٠٥٧.
(١٥٣) وسائل الشيعة: ٤/ ٢٨٦، الباب ٦١ من أبواب المواقيت، ح٩.
(١٥٤) تهذيب الأحكام: ٢/ ٢٨٥، ح١٠٥٨.
(١٥٥) وسائل الشيعة: ٤/ ٢٨٥، الباب٦١ من أبواب المواقيت، ح٦.
(١٥٦) يلاحظ: رياض المسائل: ٢/ ٦٧.
(١٥٧) يلاحظ: مستمسك العروة الوثقى: ٥/ ١٣٩.